مع العودة المدرسية، صدر للدكتور منذر عافي كتاب جديد بعنوان «سوسيولوجيا المدرسة وإعادة بناء الفعل التربوي: نحو نموذج تفاعلي لإنتاج المعرفة والهوية في المجتمع المعاصر»، وهو إصدار يضع المدرسة تحت مجهر سوسيولوجي، لا باعتبارها مجرد فضاء للتعليم، وإنما باعتبارها محيطاً حيوياً تتشكل داخله شخصية التلميذ وعلاقاته ونظرته إلى ذاته وإلى الآخر وإلى المعرفة.
ينطلق المؤلف من تصور للمدرسة باعتبارها فضاءً تتقاطع داخله مجموعة معقدة من العلاقات الإنسانية والتربوية، تبدأ من العلاقة بين المدرس والتلميذ، ولا تنتهي عند العلاقات التي تنشأ بين التلاميذ أنفسهم. وهي علاقات تصنع، وفق هذا التصور، نسقاً حياتياً متكاملاً يتجاوز حدود الإدارة وبرامجها وقراراتها البيروقراطية.
فالمدرسة، في نظر المؤلف، ليست مجرد محطة عابرة في حياة التلميذ، بل تجربة إنسانية تترك أثراً عميقاً في ذاكرته ووجدانه. إذ يدخل إليها الطفل أو المراهق ليجد نفسه أمام محيط جديد وعلاقات جديدة وتجارب تعيد تشكيل جزء من نظرته إلى نفسه وموقعه داخل المجموعة.
ومن هنا تتضاعف مسؤولية الإدارة والإطار التربوي والعمالي داخل المؤسسة التعليمية، ليس فقط في توفير الظروف الملائمة للتعلم، وإنما أيضاً في مساعدة التلميذ على الاندماج في محيطه المدرسي والانفتاح على محيطه الخارجي، في تكامل ضروري مع الدور الأساسي للأسرة والوسط العائلي الذي يوفر للطفل الثقة والدعم والتشجيع.
الصداقة والمنافسة.. مدرسة داخل المدرسة
ويتوقف الكتاب عند العلاقات التي تنشأ بين التلاميذ، بما تحمله من صداقات وتحالفات ومنافسات وخلافات، باعتبارها جزءاً أساسياً من التجربة المدرسية.
فالصداقة، وفق هذا الطرح، يمكن أن تتحول إلى عنصر مساعد على تجاوز بعض الصعوبات الدراسية والنفسية، بينما قد تؤدي الخلافات بين التلاميذ إلى تدخل الإدارة، وهو تدخل يفترض أن يقوم على الحنكة والموضوعية والقدرة على احتواء الإشكال، لا على المعالجة الإدارية الآلية.
ويكشف هذا الجانب من الكتاب أن التلميذ يتعلم داخل المدرسة أشياء تتجاوز المقررات الرسمية، من خلال احتكاكه بالآخرين واكتشافه لمفهوم المجموعة وقواعدها وحدود المنافسة والتعاون والصداقة والاختلاف.
الفوارق الاجتماعية تحت المجهر
ولا يغفل الكتاب تأثير التفاوت الاجتماعي في الحياة المدرسية، إذ يطرح تساؤلات حول الطريقة التي تنعكس بها الاختلافات الاجتماعية على علاقة التلميذ بالمدرسة وبزملائه وبالمعرفة.
كما يتناول علاقة التلميذ بالتكنولوجيات الحديثة، التي أصبحت جزءاً لا يمكن تجاهله من حياته اليومية، لكنه يحذر من التعامل معها باعتبارها مشروعاً تربوياً قائماً بذاته.
فالتكنولوجيا، وفق التصور الذي يقدمه الكتاب، يمكن أن تكون أداة للمعرفة والتواصل، لكنها قد تتحول أيضاً إلى عامل للعزلة عندما تدفع بعض التلاميذ بعيداً عن شبكة العلاقات الاجتماعية الحقيقية داخل محيطهم التربوي.
من التقييم إلى بناء الشخصية
ويستعرض الكتاب كذلك نماذج من التدخلات التي يمكن أن تشجع التلاميذ وتحفزهم، من خلال مراعاة قدراتهم الذهنية وحساسيتهم العاطفية، مع التأكيد على أهمية التنشيط الفكري لذاكرة التلميذ، بما يساعده على التحقق والفهم والربط بين المعارف والتجارب بدلاً من الاكتفاء بالتلقي والحفظ.
وفي هذا السياق، تصبح طرق التقييم نفسها عنصراً أساسياً في إعادة النظر في الفعل التربوي، باعتبار أن التقييم لا ينبغي أن يكون مجرد آلية لترتيب التلاميذ أو قياس قدرتهم على استرجاع المعلومات، وإنما وسيلة لفهم تطورهم ومساعدتهم على بناء قدراتهم.
مشروع لإصلاح المدرسة
من خلال مختلف هذه المحاور، يسعى الدكتور منذر عافي إلى تقديم تصور عملي لإصلاح المدرسة، ينطلق من حقيقة أساسية مفادها أن الواقع المدرسي أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن يستجيب لوصفة واحدة أو حل جاهز.
ويضع الكتاب أمام القارئ مجموعة من العناصر المترابطة التي تشكل الحياة المدرسية: علاقة التلميذ بالمعرفة، علاقته بزملائه، موقع المدرس، دور الإدارة، تأثير الفوارق الاجتماعية، حدود التكنولوجيا، وأساليب التقييم.
وبذلك، لا يقدم «سوسيولوجيا المدرسة وإعادة بناء الفعل التربوي» قراءة أكاديمية للمؤسسة التعليمية فحسب، بل يفتح النقاش حول المدرسة التي نريدها، وحول قدرتها على الانتقال من فضاء للتلقين إلى فضاء لبناء الشخصية وإنتاج المعرفة والهوية.
إنها دعوة إلى النظر إلى المدرسة باعتبارها مجتمعاً مصغراً، لا تُقاس نجاعته بعدد الدروس والامتحانات فقط، وإنما بقدرته على تكوين إنسان قادر على الفهم والحوار والاختلاف والاندماج، وعلى بناء علاقة متوازنة مع ذاته ومع الآخرين ومع المعرفة.
بقلم: أميرة قارشي


