إصدارات ـ صدر حديثًا الجزء الثاني من المجلد التاريخي للباحث والمؤرخ الأستاذ حاتم الضاوي، تحت عنوان «مدونة القبائل التونسية: تاريخ العامة من الزمن الأسطوري إلى الزمن التاريخي»، عن أركاديا للنشر بتونس، في عمل توثيقي يسعى إلى الاقتراب من تاريخ القبائل التونسية من زاوية مغايرة، تستعيد حضور «العامة» في صناعة التاريخ ومساراته.
ويواصل الضاوي في هذا الجزء مشروعه البحثي في تتبع الجذور الأسطورية للقبائل التونسية، مع التوقف عند أنماط عيشها وتحركاتها في المجال، وشبكة العلاقات التي نسجتها مع بعضها البعض ومع السلطات المركزية المتعاقبة.
من قبائل الشمال إلى بلاد التل
بعد أن خصص الجزء الأول من المدونة لدراسة قبائل الشمال، ينتقل الجزء الثاني إلى قبائل بلاد التل، بما يشمل المجموعات السكانية في ولايات الكاف وسليانة والجزء التلي من ولاية القصرين.
ولا يكتفي الكتاب بتسجيل أسماء القبائل أو سرد وقائع متفرقة من تاريخها، بل يحاول الاقتراب من تفاصيل حياتها وتحولاتها وعلاقاتها بالمجال، بما يجعل الجغرافيا عنصرًا أساسيًا في فهم تاريخ هذه المجموعات وديناميكياتها الاجتماعية والسياسية.
الفراشيش.. القبيلة في مواجهة السلطة
ومن أبرز المحاور التي يتوقف عندها الكتاب تاريخ الفراشيش واحتجاجاتهم، وخاصة معاركهم القانونية ذات الطابع الترابي ضد السلطة المركزية سنة 1859.
ويكشف هذا المسار عن طبيعة العلاقة المعقدة بين القبائل والسلطة، حيث لم تكن المواجهة دائمًا عسكرية أو مباشرة، بل اتخذت كذلك أشكالًا قانونية وترابية ارتبطت بالدفاع عن المجال وحقوق الانتفاع به والمحافظة على النفوذ المحلي.
حدود لم تكن مجرد خطوط على الخريطة
ويفتح الكتاب أيضًا نافذة على العلاقات النضالية المشتركة بين القبائل التونسية في المناطق الغربية ونظيراتها القبلية على الجانب الجزائري، في سياق كانت فيه الحدود الحديثة لم تأخذ شكلها النهائي بعد.
ويبرز الضاوي حرص هذه القبائل على حماية مجالها الحيوي في الجهة الغربية، ودورها في تأخير الترسيم النهائي للحدود، الذي لم يكتمل إلا سنة 1888، بما يسلط الضوء على أدوار اجتماعية ومحلية غالبًا ما يتم تجاوزها عند قراءة تاريخ الحدود من منظور سياسي صرف.
ومن هذا المنظور، يقدم الكتاب القبائل باعتبارها فاعلًا تاريخيًا في حماية المجال الغربي للإيالة التونسية، وفي مواجهة الأطماع الاستعمارية المبكرة، وليس مجرد مجموعات سكانية هامشية على أطراف السلطة المركزية.
وثيقة للبحث في الأصول التونسية
وتكمن أهمية هذا العمل في اعتماده مقاربة تجمع بين التوثيق التاريخي وقراءة الأحداث في سياقاتها الاجتماعية والمجالية والسياسية، مع محاولة تقديم المادة التاريخية بدقة وموضوعية بعيدًا عن السرد الاختزالي.
وبذلك تبدو «مدونة القبائل التونسية» مشروعًا يتجاوز جمع الأخبار والوقائع، ليطرح أسئلة أوسع حول تشكل المجتمع التونسي، وحركة القبائل داخل المجال، وعلاقتها بالسلطة، ودورها في رسم ملامح البلاد وحدودها قبل اكتمال الدولة الحديثة.
إنه أثر ورقي يفتح بابًا مهمًا للباحثين والمهتمين بتاريخ تونس الاجتماعي والمجالي، ويمنح القارئ فرصة للعودة إلى طبقات من الذاكرة التونسية، من الزمن الأسطوري إلى الزمن التاريخي، عبر قراءة تبحث في أصول المجموعات القبلية ومساراتها وتحولاتها.
أميرة قارشي


