كتاب جديد عن دار خريّف للنشر
كيف يمكن قراءة تجربة الحبيب بورقيبة بعيدًا عن التمجيد المطلق أو الإدانة المسبقة؟ وأيّ ميزان تاريخي يمكن اعتماده لفهم التحولات التي عرفتها تونس منذ إعلان الجمهورية سنة 1957 إلى نهاية عهد بورقيبة سنة 1987؟
في كتابه «جمهورية الرئيس الحبيب بورقيبة (1957-1987): قراءة تاريخية في الإنجازات والعوائق والإخلالات»، الصادر عن دار خريّف للنشر، يفتح الدكتور عبد الجليل بوقرة ملفّ ثلاثين عامًا من تاريخ تونس الحديث، متخذًا من البحث التاريخي مدخلًا لفهم تجربة تأسيس الدولة الوطنية، وما رافقها من رهانات سياسية واجتماعية واقتصادية، بين منجزات التحديث ومواطن التعثر.
لا تكمن أهمية هذه المرحلة في كونها حقبة مفصلية من تاريخ البلاد فحسب، بل في كونها أسهمت في تشكيل ملامح الدولة ومؤسساتها، وتركت آثارًا عميقة في المجتمع التونسي وفي علاقة السلطة بالمواطن. لذلك، فإن العودة إلى تجربة بورقيبة تقتضي تجاوز السرد الاحتفالي الذي يكتفي باستعراض المكاسب، مثلما تقتضي الابتعاد عن الأحكام الجاهزة التي تختزل التجربة في إخفاقاتها.
ومن خلال عنوانه، يضع الكتاب ثلاثة محاور متكاملة أمام القارئ: الإنجازات التي رافقت بناء الجمهورية، والعوائق التي حدّت من بعض رهاناتها، والإخلالات التي تستدعي مساءلة نقدية في ضوء سياقها التاريخي والسياسي. وهي مقاربة تتيح النظر إلى تجربة الحكم باعتبارها مسارًا مركبًا، تتداخل فيه خيارات القيادة مع ظروف المرحلة وتحديات بناء الدولة بعد الاستقلال.
وتظل تجربة بورقيبة من أكثر المحطات تأثيرًا في التاريخ التونسي المعاصر، لما شهدته من تحولات في التعليم والإدارة ومكانة المرأة وبناء مؤسسات الدولة، إلى جانب ما أثارته من أسئلة بشأن طبيعة النظام السياسي، وحدود المشاركة، ومركزية القرار، والتوازن بين مشروع التحديث ومتطلبات الحرية والتعددية.
من هنا، تبرز قيمة البحث التاريخي حين لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يسعى إلى تفسيرها وربط أسبابها بنتائجها، ووضع الشخصيات والقرارات داخل سياقاتها، بما يساعد على فهم أعمق لمسارات الدولة الوطنية وتعقيداتها.
ويأتي هذا الإصدار عن دار خريّف للنشر ليضيف عنوانًا جديدًا إلى النقاش حول تاريخ الجمهورية التونسية، ويذكّر بأن قراءة الماضي ليست مجرد استعادة لأحداث انقضت، بل وسيلة لفهم الحاضر واستيعاب جذور أسئلته السياسية والاجتماعية.
إنّ كتاب «جمهورية الرئيس الحبيب بورقيبة (1957-1987)» للدكتور عبد الجليل بوقرة يطرح، من خلال موضوعه ومحاوره المعلنة، دعوة إلى إعادة النظر في تجربة تأسيس الدولة الحديثة بعيون الباحث، حيث لا تُقاس التجارب التاريخية بما حققته وحده، ولا بما أخفقت فيه فحسب، بل بقدرتنا على فهم تناقضاتها واستخلاص دروسها للأجيال القادمة.


