في خضم التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والأمنية تبرز الدولة الوطنية كإطار وحيد كفيل بتنظيم المجتمع وضبط توازنه وحماية استقراره وسيادته، وفي هذا السياق يصبح الالتزام الصارم بسيادة القانون ليس خيارا سياسيا ظرفيا بل ضرورة وجودية لضمان بقاء الدولة واستمراريتها لأن انهيار منطق القانون يعني بالضرورة اهتزاز منطق الدولة ذاته.
ومن جهة أخرى، فإن الدولة الحديثة لا تقاس بحدودها الجغرافية فحسب بل بقدرتها الفعلية على فرض القانون داخل ترابها الوطني، وتنظيم حركة الأشخاص وحماية الأمن العام وصون كرامة المواطنين دون استثناء. وعليه، فإن احترام القوانين المنظمة للإقامة والتنقل والتصدي الحازم لكل أشكال التواجد غير القانوني يمثل ممارسة طبيعية ومشروعة لحق سيادي تمارسه جميع الدول ضمن أطرها القانونية والتزاماتها الدولية دون أن يتعارض ذلك مع مبادئ الكرامة الإنسانية أو المعاملة القانونية العادلة.
وفي هذا الإطار، يبرز موضوع الهجرة غير النظامية باعتباره من القضايا الحساسة التي تتطلب توازنا دقيقا بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن القومي لذلك فإن رفض أي توجه نحو التوطين القسري أو تحويل الأراضي الوطنية إلى فضاء استقرار دائم للمهاجرين غير النظاميين يرتبط بمنطق سيادي واضح لا يقوم على الانفعال أو الإقصاء بل على حماية الهوية الوطنية والتوازن الديمغرافي وحسن إدارة الموارد المحدودة وضمان الأمن الاجتماعي.
وتونس في هذا السياق تعتمد مبدأ سياديا ثابتا يقوم على رفض التوطين غير النظامي ورفض أن تكون دولة عبور أو استقرار خارج الأطر القانونية المنظمة وهذا التمشي ينسجم مع منظومتها التشريعية الوطنية وخاصة ما نص عليه الإطار القانوني المنظم لدخول وإقامة الأجانب وخروجهم من التراب التونسي وعلى وجه الخصوص القانون العضوي عدد 68-7 وما تلاه من تنقيحات الذي يجرم الدخول أو الإقامة غير الشرعية ويقر عقوبات جزائية تصل إلى السجن والخطايا المالية فضلا عن تجريم تسهيل الإقامة غير القانونية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدولة التونسية وهي تمارس سيادتها تلتزم في الآن ذاته بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة وخاصة بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين لعام 2000 بما يعكس مبدأ التوازن بين احترام الالتزامات الدولية والحفاظ على القرار الوطني السيادي في إدارة السياسات الهجرية بما يتماشى مع المصلحة العليا للدولة.
ومن ناحية أخرى، فإن قوة الدولة لا تنفصل عن صرامتها في مواجهة الجريمة بكافة أشكالها غير أن هذه الصرامة يجب أن تظل مؤطرة بمبدأ العدالة الفردية دون تعميم أو خلط بين الأفعال الإجرامية والانتماءات أو الهويات فالدولة القوية هي التي تميز بدقة بين تطبيق القانون من جهة ورفض كل أشكال خطاب الكراهية أو التمييز من جهة أخرى.
وفي هذا السياق تحديدا تعد الجرائم الجنسية وعلى رأسها جريمة الاغتصاب من أخطر الانتهاكات التي تمس الكرامة الإنسانية بشكل مباشر وتمثل اعتداء جسيما على أمن الفرد والمجتمع وهي جرائم مدانة في كل الشرائع والقوانين والمعايير الدولية دون استثناء ولا يمكن بأي حال من الأحوال تبريرها أو التساهل معها أو توظيفها خارج إطارها القضائي.
وعلى مستوى المنظومة القانونية التونسية فإن الفصل 227 جديد من المجلة الجزائية في إطار القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة قد وسع تعريف الاغتصاب ليشمل كل فعل ذي طبيعة جنسية يتم دون رضا، مهما كانت الوسيلة المستعملة سواء ضد امرأة أو رجل، كما تصل العقوبات في هذا المجال إلى عشرين سنة سجن وقد تشدد إلى السجن مدى الحياة في حالات الظروف المشددة كاستعمال العنف أو التهديد أو التخدير أو إذا كانت الضحية دون سن السادسة عشرة.
ويلاحظ في هذا الإطار أن التطور التشريعي في تونس يعكس توجها واضحا نحو تعزيز حماية الضحايا وإلغاء أي إمكانية للإفلات من العقاب بما في ذلك إلغاء بعض المفاهيم التي كانت تسمح تاريخيًا بتخفيف العقوبة عبر الزواج من الضحية وهو ما يمثل تحولا جوهريا في فلسفة العدالة الجزائية.
وعلى الصعيد الدولي، تؤكد الاتفاقيات المرجعية مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) ومختلف المواثيق الحقوقية أن العنف الجنسي وخاصة الاغتصاب يمثل انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان ويستوجب من الدول اعتماد منظومات عقابية رادعة وآليات حماية فعالة للضحايا مع ضمان المحاكمة العادلة للمتهمين دون أي إخلال بالضمانات القانونية.
وفي المقابل، فإن جوهر العدالة يقوم على مبدأ المسؤولية الفردية بمعنى أن كل شخص يُحاسب على أفعاله دون تعميم أو إسقاطات جماعية فالجريمة تثبت بالأدلة والإجراءات القضائية لا بالانطباعات أو التوظيف السياسي أو ردود الأفعال وأي انزلاق نحو التعميم أو التحريض خارج الإطار القضائي من شأنه أن يضعف مؤسسات الدولة ويقوّض الثقة في العدالة.
ومن ثم، فإن تحويل القضايا الجنائية إلى أدوات تجاذب سياسي أو تعبئة شعبوية يضر بمبدأ سيادة القانون ويخل بالتوازن بين الأمن والعدالة فالدولة العادلة هي التي تحمي الضحية بالقانون، وتعاقب الجاني بالقانون وتمنع في الآن ذاته أي شكل من أشكال الفوضى أو الانتقام خارج الإطار المؤسسي.
وفي المحصلة، فإن الانحياز الحقيقي للدولة لا يكون بالشعارات بل بدعم مؤسساتها الأمنية والقضائية وتمكينها من أداء دورها في فرض النظام العام ومكافحة الجريمة وحماية الحقوق والحريات في توازن دقيق، فالأمن لا يتحقق بالفوضى والعدالة لا تتحقق بالانفعال وإنما بمنظومة قانونية راسخة ومؤسسات مستقلة وإرادة سياسية تجعل من القانون المرجع الأعلى فوق كل اعتبار.
وبناء على ذلك فإن من حق الدولة بل من واجبها ضبط سياساتها الهجرية بما يحفظ أمنها القومي واستقرارها الاجتماعي مع التمييز الصارم بين التطبيق القانوني لأي وضع غير نظامي وبين رفض أي تعميم أو خطاب إقصائي فالدولة القوية هي التي تجمع بين الصرامة في تطبيق القانون، والعدل في إنفاذه والإنسانية في مقاصده.
وفي النهاية، تبقى الأوطان لا تبنى بردود الأفعال بل بدولة قوية ومؤسسات راسخة وقضاء مستقل وإرادة سياسية تجعل من سيادة القانون قاعدة عليا لا تقبل الاستثناء وتحسم في كل الجرائم دون تهاون وفي مقدمتها الجرائم الجسيمة وعلى رأسها الاغتصاب والانتهاكات الخطيرة التي لا تسقط لا قانونا ولا أخلاقيا ولا تقبل أي غطاء خارج إطار العدالة.



