بقلم عزيز بن جميع
في مشهد فني تتنازعه التحوّلات السريعة وإيقاع الاستسهال الإنتاجي، تبرز الفنانة بثينة محمد كحالة مختلفة، أقرب إلى مشروع فني متكامل منه إلى مجرد حضور عابر على الساحة. هي تجربة تُراكم هويتها بهدوء، وتفرض نفسها من خلال التزام صارم بجوهر الطرب وروح الأداء الحي.
صوت يستعيد ذاكرة المقامات
لا تقدّم بثينة محمد الغناء بوصفه أداءً تقليدياً، بل باعتباره عودة واعية إلى المدرسة الطربية الأصيلة. خامة صوتها الدافئة تفتح مساحات واسعة في الاشتغال على المقامات الشرقية والتونسية، حيث يظهر التحكم الدقيق في الانتقال بين الطبقات، مع احترام واضح لجمالية الكلمة وعمق اللحن. في زمن تتراجع فيه العناية بالتفاصيل، تبدو اختياراتها أقرب إلى موقف فني ثابت.
حضور مسرحي يحوّل الأغنية إلى مشهد بصري
لا تكتفي الفنانة بالوقوف خلف الميكروفون، بل تبني علاقة حيّة مع الفضاء المسرحي. الحركة محسوبة، النظرة موجّهة، والإطلالة مصممة لتخدم المعنى لا لتغطي عليه. هذا الاشتغال البصري يمنح عروضها بعداً إضافياً، يجعل من الأغنية تجربة مشاهدة بقدر ما هي تجربة استماع، دون أن يطغى الشكل على جوهر الأداء الصوتي.
الاستمرارية في مواجهة هشاشة الإنتاج
في سياق يعاني فيه عدد من الفنانين من ضعف الدعم وتقلّص فرص الإنتاج الجاد، اختارت بثينة محمد مساراً أكثر صعوبة: التمسك بالمعايير الفنية العالية بدل التنازل عنها. هذا الخيار جعل حضورها أقرب إلى المقاومة الهادئة، حيث تتحول الاستمرارية نفسها إلى إنجاز، والثبات على الهوية إلى رسالة موجهة لجمهور يبحث عن القيمة قبل الانتشار.
بين الأصالة والتجديد المتوازن، ترسم بثينة محمد ملامح تجربة فنية لا تراهن على الضجيج، بل على الأثر الباقي في الذاكرة السمعية والبصرية معاً.



