ما تبدو اليوم بحيرة شديدة الملوحة في قلب ولاية يوتا الأمريكية، كانت قبل آلاف السنين جزءًا من عالم مائي مختلف تمامًا. فبحيرة سولت ليك الكبرى لم تكن سوى بقايا لنظام مائي هائل غطّى مساحات شاسعة من المنطقة، فيما كانت المياه التي تملأه عذبة إلى حد كبير.
وتكشف دراسة علمية جديدة أن المنطقة شهدت خلال تاريخها الجيولوجي الطويل وجود بحيرة عملاقة عُرفت باسم بحيرة بونفيل، تجاوزت مساحتها مساحة سولت ليك الكبرى الحالية بأكثر من عشرة أضعاف، ووصل عمقها في بعض المناطق إلى نحو 300 متر.
120 مترًا من الرواسب تكشف 240 ألف سنة من التاريخ
تمكن الباحثون من إعادة بناء جانب مهم من تاريخ المنطقة المائي على مدى نحو 240 ألف سنة، بالاعتماد على عينة من الرواسب المستخرجة من قاع البحيرة امتدت إلى عمق يقارب 120 مترًا.
ولم تكن الرواسب مجرد طبقات من الطين المتراكم، بل مثّلت سجلًا طبيعيًا للتغيرات التي طرأت على البحيرة. فقد حلل العلماء مكوناتها والإشارات الكيميائية التي خلفتها كائنات مجهرية عاشت في المياه، ما أتاح لهم تحديد مستويات الملوحة التي سادت خلال فترات مختلفة.
وأظهرت النتائج أن المنطقة شهدت فترات ارتفع خلالها منسوب المياه بصورة هائلة، وتراجعت فيها الملوحة مقارنة بما هي عليه اليوم.
بحيرة بونفيل.. عالم مائي غمر الجبال
كانت أحدث وأطول تلك الفترات هي فترة بحيرة بونفيل، التي ظهرت قبل نحو 30 ألف عام واستمرت حتى قرابة 16 ألف سنة مضت.
وفي ذروة امتدادها، غطت البحيرة مساحة تزيد على عشرة أضعاف مساحة سولت ليك الكبرى الحالية، بينما بلغ عمقها نحو 300 متر. وكانت السلاسل الجبلية المحيطة تبدو كجزر بارزة وسط المياه، في مشهد جغرافي لا يشبه على الإطلاق ما تبدو عليه المنطقة اليوم.
لكن المفاجأة الأبرز تتمثل في طبيعة مياهها؛ فبحيرة بونفيل لم تكن بحرًا داخليًا شديد الملوحة، بل كانت بحيرة عذبة بالفعل.
كيف تحولت المياه العذبة إلى بحيرة شديدة الملوحة؟
مع ارتفاع درجات الحرارة وتغير الظروف المناخية، بدأ النظام المائي في فقدان كميات كبيرة من المياه. وانخفضت مستويات البحيرة تدريجيًا، وتراجعت مساحتها، بينما واصل التبخر تركيز الأملاح في المياه المتبقية.
وهكذا لم تتحول البحيرة العذبة إلى المسطح شديد الملوحة الذي نعرفه اليوم بصورة مفاجئة، وإنما مرت بعملية طويلة من الانكماش والتبخر وتراكم الأملاح على مدى آلاف السنين.
واليوم يمكن أن تصل ملوحة سولت ليك الكبرى إلى مستويات تفوق ملوحة مياه البحر بنحو عشرة أضعاف في بعض أجزاء البحيرة، وهي نتيجة بعيدة جدًا عن طبيعة النظام المائي الذي كان قائمًا في المنطقة خلال فترة بونفيل.
الماضي يحمل تحذيرًا للحاضر
الأكثر إثارة في نتائج الدراسة أن الرواسب تشير إلى أن الانتقال من ظروف المياه العذبة إلى الملوحة الشديدة حدث بسرعة نسبية مقارنة بالمقياس الزمني الجيولوجي.
وهذا يمنح العلماء فرصة نادرة لفهم الطريقة التي يمكن أن تستجيب بها البحيرات الكبرى لتغيرات درجات الحرارة، والهطول، ومعدلات التبخر وتوافر المياه.
لكن أهمية الاكتشاف لا تتوقف عند الماضي. فبحيرة سولت ليك الكبرى تواجه اليوم تحديات متزايدة مرتبطة بالجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية والاستهلاك البشري للمياه.
وتحمل قصة بحيرة بونفيل رسالة واضحة: المشهد الطبيعي الذي يبدو ثابتًا لملايين العيون يمكن أن يكون في الحقيقة مرحلة مؤقتة في تاريخ طويل من التحولات المناخية والمائية.
فالبحيرة التي كانت يومًا عالمًا شاسعًا من المياه العذبة، تحولت مع تغير المناخ وتراجع المياه إلى بقايا مالحة لنظام مائي عملاق. وما تكشفه طبقات الرواسب في قاعها اليوم ليس مجرد قصة عن الماضي، بل سجلًا طبيعيًا يذكّر بمدى سرعة قدرة المناخ والمياه على إعادة رسم ملامح الجغرافيا.


