الأستاذ الجامعي في الفلسفة الناصر المكني… العقلانية وقنديل الحكمة في الجامعة التونسية

الأستاذ الجامعي في الفلسفة الناصر المكني… العقلانية وقنديل الحكمة في الجامعة التونسية

بقلم: عزيز بن جميع

في زمن تتزاحم فيه الصور وتتسارع فيه الأحداث، يبقى للفكر حُرّاسه، وللحكمة روّادها الذين يشتغلون في صمت، يبنون العقول ويزرعون بذور التنوير في مدارج العلم والجامعات. وفي هذا السياق، تبرز أسماء أكاديمية اختارت أن تجعل من المعرفة رسالة، ومن التعليم مسؤولية، ومن الفلسفة طريقًا إلى إعمال العقل.

ومن بين هذه القامات الفكرية والأكاديمية التونسية، يبرز اسم الأستاذ الدكتور الناصر المكني، أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية، الذي راكم على امتداد عقود تجربة تدريسية وفكرية جعلت منه اسمًا حاضرًا في المشهد الجامعي والثقافي.

الفلسفة… درس في التفكير قبل أن تكون مادة للتدريس

ليس الناصر المكني مجرد أستاذ يلقي دروسه في مدارج الجامعة ثم يغادر، بل هو أستاذ يرى في الفلسفة ممارسة يومية للتفكير والنقد والسؤال. فقد عرفته الأوساط الجامعية مدرسًا يحرص على فتح نوافذ جديدة أمام طلبته، ودفعهم إلى مساءلة الأفكار وعدم الاكتفاء بتلقيها جاهزة.

وفي تجربته الأكاديمية، تبدو الفلسفة بالنسبة إليه أكثر من تاريخ للمذاهب والتيارات؛ إنها تمرين على العقل، وعلى الحوار، وعلى القدرة على الاختلاف والنظر في القضايا من زوايا متعددة.

عقلانية في مواجهة التلقين

وتتجلى ملامح مشروعه الفكري في اهتمامه بقضايا النهضة والتنوير والفكر الإصلاحي العربي والمغاربي، إلى جانب اشتغاله على أسئلة تتصل بفلسفة السياسة والإعلام والأخلاق.

ومن هذا المنظور، تحضر الفلسفة عند الناصر المكني بوصفها أداة لمقاومة التلقين والانغلاق، وفضاءً لتكريس التفكير النقدي والمواطنة الواعية، حيث يصبح السؤال بداية للمعرفة، ويغدو الحوار شرطًا لفهم الإنسان والمجتمع.

كما أسهم، من خلال التدريس والإشراف على أعمال الباحثين في مراحل الماجستير والدكتوراه، في مرافقة أجيال من الطلبة والباحثين، وفي نقل شغف المعرفة من المدرج الجامعي إلى فضاءات البحث والنقاش.

شهادة تقدير من يوسف الصديق

ومن المحطات التي تضيف بعدًا رمزيًا إلى مسيرة الأستاذ الناصر المكني، شهادة التقدير التي حظي بها من المفكر يوسف الصديق، الذي أبدى إعجابه بما يمتلكه من إمكانات ومؤهلات فكرية وأكاديمية.

وهي شهادة تكتسب قيمتها من صاحبها، لكنها في الوقت ذاته تندرج ضمن مسيرة أكاديمي أمضى عشرات السنين في مجال التدريس، وترك بصمته في المؤسسات والفضاءات التي مارس فيها مهنته، حتى أصبح اسمه معروفًا لدى أجيال من الطلبة والباحثين.

ولعل أجمل ما في المسيرة الأكاديمية أن يظل الأستاذ حاضرًا في ذاكرة تلاميذه وطلابه، وأن يتحول الدرس الذي قدمه ذات يوم إلى فكرة ترافقهم في حياتهم. تلك هي، في النهاية، حكاية القبول الحقيقي: أن يترك الإنسان أثرًا يتجاوز جدران الجامعة.

إن تكريم الأستاذ الدكتور الناصر المكني ليس مجرد احتفاء بشخص أكاديمي، بل هو احتفاء بقيمة الجامعة التونسية حين تكون فضاءً للعقل والسؤال والحوار، وتكريم لرسالة الأستاذ الذي يجعل من المعرفة فعلًا إنسانيًا متواصلًا.

تحية تقدير إلى الناصر المكني، الأستاذ والمفكر، وإلى كل من اختار أن يحمل قنديل الحكمة في زمن يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى نور العقل.

عزيز بن جميع