بقلم: الحبيب بنصالح – تونس
في ذاكرة التونسيين، لا يُستحضر نجيب الخطاب كاسم عابر في سجلّ الإعلام، بل كصوتٍ عاش في القلوب قبل أن يسكن الأرشيف. رجلٌ لم يكن يعلّق فقط على المباريات، بل كان يروي الحلم… ويمنح الفرح نبرة.
وُلد في 24 ماي 1953، في بيئة بسيطة قادمة من عمق الجنوب التونسي، من “الرّڤبة” تحديدًا، قبل أن تشدّ عائلته الرحال نحو الضاحية الشمالية للعاصمة، بين حلق الوادي والكرم. هناك، تشكّلت ملامح طفلٍ سيكبر ليصبح أحد أبرز وجوه الشاشة التونسية.
لم يكن طريقه مفروشًا بالنجاح منذ البداية. بدأ بخطوات مترددة بين مدرجات كلية الآداب، ثم وجد نفسه في معهد الصحافة وعلوم الإخبار، حيث بدأت الحكاية تأخذ شكلها الحقيقي. من الصحافة المكتوبة في جريدة “الصباح”، إلى الميكروفون… كان دائمًا يبحث عن صوته الخاص.
اللحظة الفارقة جاءت صدفة… لقاء مع صلاح الدين بن حميدة فتح له أبواب الإذاعة والتلفزة. ومن هناك، بدأ الصعود. خطوات صغيرة في البداية، ثم قفزات كبيرة… حتى جاء عام 1978.
في الأرجنتين، لم يكن مجرد مراسل يرافق المنتخب… كان قلبًا ينبض على المباشر. في كأس العالم 1978، تحوّل صوته إلى نشيد وطني غير مكتوب. صرخاته، ضحكاته، انفعالاته… كانت تعبيرًا صادقًا عن شعب بأكمله. لم يكن يصف المباراة، بل كان يعيشها بكل جوارحه.
ثم جاء زمن التلفزيون… زمن النجومية. برامج مثل “خمسة على خمسة” و“لو سمحتم” لم تكن مجرد فقرات ترفيهية، بل مساحات للفرح الجماعي، حيث جمع بين الثقافة وخفة الظل، وبين الارتجال والذكاء الحواري. صار الوجه الذي تنتظره العائلات مساء الأحد… والصوت الذي يدخل البيوت دون استئذان.
لكن خلف هذا البريق، كان هناك ثمن… عملٌ لا يتوقف، أكثر من 18 ساعة يوميًا، جسدٌ يُستنزف وقلبٌ لا يعرف الراحة. حتى في أيامه الأخيرة، لم يتخلّ عن شغفه. كان ينسّق، يعدّ، يركض خلف التفاصيل… كأنّه يعرف أن الوقت يداهمه.
في 25 أفريل 1998، أسدل الستار. رحل فجأة، قبل أن يُكمل حلقة أخرى من “السهرية على الفضائية”. رحل وهو يعمل… كما عاش تمامًا.
نجيب الخطاب لم يكن مجرد إعلامي… كان حالة. قطعة من زمنٍ جميل، حين كان الصوت صادقًا، والابتسامة حقيقية، والإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة.
رحل الجسد… لكن صوته لا يزال حيًا… يركض في ذاكرة التونسيين، كلما عادوا إلى تلك اللحظات التي علّمهم فيها كيف يُفرحون.



