وُلد أحد أبرز أعمدة الموسيقى التونسية، الشاذلي أنور، في مثل هذا اليوم، 18 أفريل 1925، وغادر الحياة في 27 مارس 1995، لكنه ظل حاضرًا بصوته وألحانه في ذاكرة الأجيال.
اسمه الحقيقي الشاذلي بن محمد خماجة، أبصر النور بمدينة مساكن من ولاية سوسة، قبل أن تشق به الحياة طريقها نحو العاصمة، حيث سيُولد اسمه الفني على يد مكتشفه البشير الرصايصي، الذي اختار له لقب “الشاذلي أنور”، في إشارة إلى خلفيته العائلية المرتبطة ببيع الأزهار.
طفولة الشاذلي لم تكن عادية… كان يستيقظ باكرًا ليجوب بساتين باردو ومنوبة، يجمع الأزهار بعطرها الفواح، ثم يطوف بها على متن دراجته بين بيوت الجاليات الأجنبية. وبين عبق الزهور ونسمات الصباح، كانت موهبته الفنية تتفتح بهدوء.
ولم تقتصر اهتماماته على الموسيقى، إذ تألق أيضًا في رياضة سباق الدراجات، محققًا بطولات وطنية عدة، قبل أن تحسم الموسيقى وجهته النهائية.
تأثر الشاذلي أنور بأعمال موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وبرز في تقليد أغانيه بإتقان لافت، ما جعله محط أنظار الرصايصي الذي احتضن موهبته وسجل له عدة أعمال، من بينها “هليت يا ربيع”، التي حققت انتشارًا واسعًا، إلى حد أثار استياء عبد الوهاب نفسه.
وفي رحاب الرشيدية، صقل الشاذلي أنور موهبته، متتلمذًا على يد عمالقة الفن التونسي، على غرار خميس الترنان ومحمد التريكي، حيث نهل من معين المالوف والمقامات والإيقاعات.
مسيرته الفنية تنقلت بين محطات بارزة، من الجولات الفنية في الجزائر إلى انضمامه سنة 1957 إلى المجموعة الصوتية للإذاعة التونسية، حيث تألق وسط نخبة من ألمع الأصوات، مثل نعمة وعلية، وغيرهما من نجوم تلك المرحلة.
ولم يكتفِ بالغناء، بل فرض نفسه لاحقًا كأحد أبرز الملحنين، جامعًا بين الروح التونسية الأصيلة والنَفَس الشرقي. ومن أبرز بصماته، الأغنية الملحمية “بني وطني يا ليوث الصدام” التي أدّتها علية، إلى جانب أعمال خالدة تغنى بها فنانون كُثر.
كما برزت بصمته في ألحان قدّمها لأصوات مختلفة، حيث كانت الفنانة نعمة من أكثر من أدّى من ألحانه، إلى جانب أسماء أخرى مثل زهيرة سالم ومحمد أحمد، فيما ارتبط اسمه أيضًا بأغانٍ ناجحة بصوت يوسف التميمي.
امتد إشعاعه خارج تونس، حيث أهدى سنة 1969 عملاً فنيًا للجمهور المصري بمناسبة احتفالات تأسيس القاهرة، كما لحن قصيدة لجامعة الدول العربية خلال فترة وجود مقرها في تونس.
ورغم المرض، خاصة داء السكري الذي أنهك جسده، ظل الشاذلي أنور وفيًا للفن، قبل أن يرحل بهدوء، تاركًا إرثًا موسيقيًا ثريًا.
رحل الجسد… لكن صوت الشاذلي أنور وألحانه ما تزال شاهدة على زمنٍ صنع فيه الفنانون مجد الأغنية التونسية بإبداع أصيل لا يُنسى.



