أحمد السنوسي… ابن السرس الذي صنع مجده فوق الركح ورحل قبل أن يطفئ الجمهور تصفيقه!

أحمد السنوسي… ابن السرس الذي صنع مجده فوق الركح ورحل قبل أن يطفئ الجمهور تصفيقه!

بورتريه صحفي | في ذكرى ميلاده يوم 5 نوفمبر: محطات من حياة فنان تونسي آمن بالمسرح، وأسهم في تأسيس الدراما التلفزية، وترك أدواراً راسخة في ذاكرة الجمهور.

في مثل هذا اليوم، 5 نوفمبر، وُلد أحمد السنوسي، الفنان الذي حمل من مدينة السرس بولاية الكاف شغف المسرح، وجعل من الخشبة فضاءً للتعبير ومن التمثيل مساراً امتد لعقود بين المسرح والسينما والتلفزة. رحل في نوفمبر 2015، لكن رحيله لم يُنهِ حضوره؛ فبقيت شخصياته الفنية شاهدة على جيل ساهم في بناء ملامح الدراما التونسية وترسيخ علاقتها بالجمهور.

لم يكن أحمد السنوسي مجرد ممثل يمرّ أمام الكاميرا أو يقف على الركح لأداء دور عابر، بل كان واحداً من أبناء المدرسة المسرحية التي أسهمت في تكوين أجيال من الفنانين، وفي نقل التجربة المسرحية من الفضاءات المحلية إلى التلفزة والسينما، حيث أصبح الفن أكثر التصاقاً بالحياة اليومية للتونسيين.

من السرس إلى تونس… بداية الحلم

وُلد أحمد السنوسي يوم 5 نوفمبر 1946 بمدينة السرس التابعة لولاية الكاف. وفي سن مبكرة، اختار أن يتجه إلى الفن، فالتحق سنة 1962 بمركز الفن المسرحي بتونس لدراسة المسرح، في خطوة مثّلت بداية مسار مهني سيقوده لاحقاً إلى عدد من أهم التجارب المسرحية في البلاد.

كانت سنوات التكوين بالنسبة إليه مرحلة تأسيسية، إذ لم يكن المسرح مجرد وسيلة للظهور، بل مجالاً لاكتساب أدوات المهنة وفهم الشخصية وبناء العلاقة بين الممثل والنص والجمهور.

وفي سنة 1967، انضم إلى الفرقة الجهوية للمسرح بصفاقس، قبل أن يلتحق سنة 1968 بفرقة الكاف المسرحية تحت إدارة المنصف السويسي، حيث استمر في العمل إلى سنة 1973.

هناك، داخل تجربة مسرحية جماعية، شارك في أعمال من بينها «ثورة الزنج» و«الحلاج»، وهما عنوانان يعكسان طبيعة المسرح الذي لا يكتفي بالتسلية، بل يفتح أسئلة التاريخ والسلطة والحرية والإنسان.

المنصف السويسي… محطة صنعت ملامح التجربة

كان العمل مع فرقة الكاف المسرحية محطة مهمة في المسار الفني لأحمد السنوسي، إذ أتاح له الانخراط في تجربة تقوم على العمل الجماعي والانضباط المسرحي، ضمن مرحلة كان فيها المسرح التونسي يبحث عن أشكال تعبير جديدة ويعزز حضوره خارج العاصمة.

ولم يكن انتقاله بين الفرق المسرحية مجرد تغيير في مكان العمل، بل تجربة ساهمت في توسيع أفقه الفني وتطوير أدواته كممثل.

لقد مثّل المسرح بالنسبة إليه مدرسة حقيقية، يتعلم فيها الفنان كيف يصنع الشخصية ويمنحها ملامحها الخاصة، وكيف يحافظ على صدق الأداء أمام جمهور يتفاعل مباشرة مع ما يحدث فوق الركح.

عشر سنوات في فرنسا… تجربة في المهجر

في سنة 1974، سافر أحمد السنوسي إلى فرنسا لإجراء تربّص فني، لكنه أقام هناك قرابة عشر سنوات، خاض خلالها تجربة العمل المسرحي في المهجر.

كانت تلك المرحلة فاصلة في مسيرته؛ فقد وضعته أمام بيئة فنية مختلفة، وأتاحت له الاحتكاك بتجارب مسرحية خارج تونس، قبل أن يعود إلى بلاده ويؤسس فرقة مسرحية خاصة.

لم يقطع الابتعاد الجغرافي صلته بالمشهد الثقافي التونسي، بل عاد ليواصل نشاطه بين المسرح والسينما والتلفزة، حاملاً معه خبرة إضافية ورغبة في مواصلة العمل الفني.

وتكشف هذه المحطة جانباً من شخصية الفنان الذي لم يحصر تجربته في فضاء واحد، بل ظل منفتحاً على فرص التعلم والعمل، قبل أن يجعل من العودة إلى تونس بداية مرحلة جديدة من العطاء.

من خشبة المسرح إلى ذاكرة التلفزة

إذا كان المسرح هو الفضاء الذي تشكّلت فيه أدوات أحمد السنوسي، فإن التلفزة كانت النافذة التي جعلته قريباً من جمهور أوسع.

يُعدّ من الأسماء التي ساهمت في تأسيس الدراما التلفزية التونسية، وشارك في أعمال أصبحت جزءاً من ذاكرة المشاهدين، من بينها «الدوّار» و«الخطّاب على الباب» و«أقفاص بلا طيور» و«غادة» و«أولاد البلاد» و«غالية» و«العاصفة».

في هذه الأعمال، لم يكن حضوره مرتبطاً بعنوان واحد أو شخصية واحدة، بل امتد عبر تجارب متعددة عرّفت الجمهور بقدرته على التنقل بين الأدوار، والمساهمة في بناء الحكاية الدرامية ضمن أعمال تنتمي إلى مراحل مختلفة من تطور الإنتاج التلفزي التونسي.

وقد ساهم جيل أحمد السنوسي في نقل الدراما من مجرد إنتاج تلفزي إلى ذاكرة مشتركة تتقاطع فيها الشخصيات مع تفاصيل الحياة اليومية، وتصبح بعض المشاهد والأدوار جزءاً من حديث العائلات وذكريات المشاهدة الجماعية.

وهنا تكمن قيمة الفنان الذي لا تقاس مسيرته بعدد مرات ظهوره فقط، بل بما يتركه من أثر لدى الجمهور، وبقدرته على جعل الشخصية قابلة للتذكر حتى بعد مرور سنوات على عرض العمل.

السينما أيضاً… حضور يتجاوز الحدود

لم يقتصر نشاط أحمد السنوسي على المسرح والتلفزة، بل خاض تجارب سينمائية تونسية وعربية وأوروبية، وشارك في أفلام من بينها «رسالة من سجنان» و«شمس الضباع» و«الأمير» و«فوسكة»، إلى جانب أعمال سينمائية أجنبية صُوّرت في تونس.

كما ارتبط اسمه بمسرحية «عطيل»، في امتداد لتجربة ظلت فيها الخشبة حاضرة إلى جانب الشاشة.

ويكشف تنوع هذه الأعمال عن مسار فني لم يتوقف عند قالب واحد؛ فقد انتقل السنوسي بين أشكال تعبير مختلفة، من الأداء المسرحي الذي يتطلب حضوراً مباشراً أمام الجمهور، إلى التمثيل أمام الكاميرا، حيث تصبح التفاصيل الدقيقة في الحركة والنظرة والصوت جزءاً من بناء الشخصية.

وقد منحت هذه التجارب مسيرته امتداداً داخل المشهد الثقافي التونسي وخارجه، وجعلته واحداً من الفنانين الذين جمعوا بين المسرح والسينما والتلفزة في زمن كانت فيه هذه المسارات تتطلب الكثير من الصبر والاستمرارية.

خلف الأدوار… إنسان عُرف بخفة الظل

بعيداً عن الأعمال والأسماء التي ارتبطت بمسيرته، عُرف أحمد السنوسي بين زملائه بدماثة الأخلاق وخفة الظل والطرافة، وهي صفات ظلت حاضرة في الشهادات التي رافقت خبر رحيله.

وتكشف هذه الصورة الإنسانية وجهاً آخر للفنان؛ فالممثل الذي يظهر أمام الجمهور بشخصيات مختلفة يظل، خارج الخشبة، إنساناً له علاقاته ومواقفه وتجاربه الخاصة.

وقد ابتعد السنوسي عن الأضواء خلال سنواته الأخيرة بسبب المرض، في فترة تراجعت فيها إطلالاته الفنية، لكن حضوره لم يغب عن ذاكرة الوسط المسرحي الذي عرفه وعمل معه على امتداد سنوات طويلة.

تكريم قبل الرحيل بأسابيع… مشهد أخير مؤثر

كان آخر ظهور له أمام الجمهور خلال الدورة السابعة عشرة لأيام قرطاج المسرحية في أكتوبر 2015، حيث حظي بالتكريم إلى جانب مجموعة من المبدعين المسرحيين.

وبعد أسابيع قليلة، وتحديداً في نوفمبر من السنة نفسها، توفي عن عمر ناهز 69 عاماً، إثر صراع طويل مع المرض.

كان ذلك التكريم مناسبة لاستحضار مسيرة فنان ساهم في بناء مشهد مسرحي وتلفزي، لكنه جاء أيضاً في نهاية مرحلة من حياته كان المرض قد أبعده فيها عن الأضواء.

ومن المفارقات المؤثرة أن يُكرّم الفنان في أواخر مسيرته، بينما يظل السؤال قائماً حول قدرة المؤسسات الثقافية على مرافقة المبدعين والاعتراف بعطائهم طوال سنوات العمل، لا في لحظات الوداع وحدها.

أحمد السنوسي… حين يبقى الفن بعد رحيل صاحبه

في ذكرى ميلاده، لا تبدو سيرة أحمد السنوسي مجرد استعادة لتواريخ ومحطات فنية، بل فرصة للتوقف عند جيل ساهم في بناء المسرح والدراما التلفزية التونسية، في زمن كانت فيه المهنة تقوم على التكوين والتجربة والعمل المتواصل.

من السرس إلى مركز الفن المسرحي، ومن فرقة صفاقس إلى فرقة الكاف، ثم تجربة فرنسا والعودة إلى تونس، امتدت مسيرته عبر محطات صنعت ملامح فنان آمن بالمسرح ولم يحصر نفسه في مجال واحد.

قد يرحل الممثل، وقد تنطفئ الأضواء التي كانت تسلط عليه، لكن الشخصيات التي أداها تظل قادرة على استعادة حضوره كلما أعيد عرض عمل قديم أو استحضر الجمهور مشهداً من ذاكرته.

أحمد السنوسي، الذي وُلد في 5 نوفمبر 1946 ورحل في نوفمبر 2015، ليس مجرد اسم في قائمة الفنانين الراحلين؛ إنه جزء من ذاكرة فنية تونسية تستحق أن تُروى، ومن تاريخ مسرحي وتلفزي لا يكتمل دون استحضار رجاله ونسائه الذين صنعوا ملامحه الأولى.

رحم الله أحمد السنوسي، وكل من تركوا أثرهم فوق الركح والشاشة، وغادروا الحياة وبقي الفن شاهداً على عبورهم.