غار الدماء تحتفي بالرمان في دورتها السابعة...إنتاج وطني متصاعد ورهانات التثمين والتصدير والتنمية المحلية

غار الدماء تحتفي بالرمان في دورتها السابعة...إنتاج وطني متصاعد ورهانات التثمين والتصدير والتنمية المحلية

بقلم: إيمان مزريقي 

تستعد معتمدية غار الدماء بولاية جندوبة لاحتضان الدورة السابعة من مهرجان الرمان أيام الجمعة والسبت والأحد 23 و24 و25 أكتوبر 2026 تحت شعار "من ذاكرة المكان" بإشراف المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بجندوبة وتنظيم دار الثقافة بغار الدماء والاتحاد المحلي للفلاحين. وتأتي هذه التظاهرة في سياق السعي إلى تثمين أحد المنتجات الفلاحية التي تتميز بها المنطقة والتعريف بخصوصياتها الطبيعية والثقافية وربط النشاط الفلاحي بالاقتصاد المحلي والسياحة البيئية والحرف التقليدية، ولا يقتصر المهرجان في دورته الجديدة على عرض ثمار الرمان والاحتفاء بموسم جنيها بل يطرح بصورة أوسع مسألة تحويل الموروث الفلاحي إلى مورد اقتصادي قادر على توفير فرص العمل ودعم المنتجين وتعزيز حضور غار الدماء ضمن المشهد الفلاحي والثقافي بولاية جندوبة.

وتستمد التظاهرة أهميتها من المكانة التي يحتلها الرمان في الإنتاج الفلاحي التونسي ومن حضور ولاية جندوبة ضمن خريطة إنتاج هذه الغلال، فوفق معطيات منشورة عن المجمع المهني المشترك للغلال ينتظر أن يبلغ الإنتاج الوطني من الرمان خلال موسم 2026 نحو 98 ألف طن مقابل حوالي 91 ألف طن سنة 2025 بزيادة تقدر بنحو 8 بالمائة. وتمتد المساحات المخصصة لغراسة الرمان في تونس على نحو 10 آلاف و472 هكتارا تضم قرابة 4 ملايين و679 ألف شجرة. وتتركز الغراسات أساسا ضمن الزراعات السقوية التي تمثل أكثر من 95 بالمائة من المساحات في حين تبلغ مساحة الزراعات البعلية حوالي 441 هكتارا، وتكشف هذه الأرقام عن حجم القطاع وإمكاناته الإنتاجية لكنها تبرز أيضا أهمية الموارد المائية واستقرار الظروف المناخية في المحافظة على الإنتاج.

وعلى المستوى الجهوي تتصدر ولاية قابس قائمة أبرز مناطق الإنتاج بحوالي 17 ألفا و24 طنا تليها باجة بنحو 17 ألف طن ثم نابل بحوالي 15 ألفا و365 طنا والقيروان بنحو 14 ألفا و200 طن. كما تشير بيانات منشورة عن القطاع إلى أن ولاية منوبة تأتي في المرتبة الخامسة وطنيا بإنتاج يقدر بنحو 11 ألف طن فيما تحتل جندوبة المرتبة السادسة بإنتاج يتجاوز 4 آلاف طن مع أهمية خاصة لمعتمديتي غار الدماء ووادي مليز في هذا النشاط، ويؤكد هذا الموقع أن جندوبة ليست مجرد فضاء لاحتضان مهرجان موسمي بل هي جزء من منظومة إنتاج وطنية تتوفر على إمكانات قابلة للتطوير، ومع ذلك لا ينبغي نسب كامل إنتاج الولاية إلى غار الدماء إذ لا تتوفر أرقام رسمية مفصلة وحديثة تحدد إنتاج المعتمدية وحدها أو المساحات المخصصة للرمان فيها خلال موسم 2026.

ولا تقف أهمية القطاع عند حجم المحصول بل تمتد إلى قدرته على النفاذ إلى الأسواق الخارجية وتحقيق القيمة المضافة، فقد انطلق موسم تصدير الرمان التونسي للأصناف المحلية يوم 29 سبتمبر 2026 بعد متابعة مؤشرات نضج الثمار وتلونها. وبخصوص حصيلة الصادرات بلغت الكميات المصدرة إلى حدود 31 ديسمبر 2025 نحو 9 آلاف و791 طنا بقيمة تقارب 34.3 مليون دينار مقابل 11 ألفا و459 طنا بقيمة 29.7 مليون دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2024، وبذلك تراجعت كميات الصادرات بنحو 15 بالمائة في حين ارتفعت قيمتها بحوالي 16 بالمائة. وتوضح هذه المقارنة أن تحسن قيمة الصادرات لا يعني بالضرورة نمو الكميات المسوقة خارجيا كما تؤكد ضرورة العمل على رفع جودة المنتوج وتطوير التعليب والنقل والتسويق وتنويع الأسواق لتقليل الاعتماد على وجهات محدودة.

وفي هذا الإطار تكتسب المبادرات المحلية للترويج للمنتوج أهميتها من قدرتها على وصل الفلاح بالمستهلك والتعريف بقيمة المحاصيل التونسية وفتح المجال أمام أصحاب المشاريع الصغرى والحرفيين والنساء الريفيات، وقد سلطت الدورة السادسة للمهرجان التي أقيمت من 25 إلى 27 أكتوبر 2025 تحت شعار "صحتي بالدنيا" الضوء على المرأة الريفية التي جعلت من الرمان مورد رزق ومصدر اعتزاز بالجهة كما تضمنت أنشطة توعوية وصحية بالتزامن مع الشهر العالمي للتوعية بسرطان الثدي، أما دورة 2026 فتعود بشعار "من ذاكرة المكان" بما يمنحها بعدا يرتبط بالذاكرة الجماعية والخصوصية المحلية ويضع المنتوج الفلاحي في علاقة مع التراث والثقافة والهوية.

ومن المنتظر أن تنطلق فعاليات الدورة السابعة يوم الجمعة 23 أكتوبر من ساحة الشهداء التي تحتضن معرضا تجاريا للرمان ومعرضا للصناعات التقليدية إلى جانب جناح للمكتبة العمومية يعرض كتبا متخصصة في المجال الفلاحي وإصدارات لأبناء المنطقة في المجالات الأدبية والفكرية والتاريخية، كما يشمل البرنامج خيمة صحية تحسيسية وفقرات موسيقية يؤثثها شبان من رواد نوادي التنشيط الثقافي بالمركز الثقافي الجامعي محمود المسعدي بجندوبة فضلا عن حوارات إعلامية مفتوحة مع الشباب حول السلوكيات المحفوفة بالمخاطر.

ويجمع برنامج اليوم الثاني السبت 24 أكتوبر بين التوعية بالتغذية السليمة وفوائد الرمان ولقاء في الإرشاد الفلاحي حول طرق زراعته وإنتاجه وعرض للمنتوجات البيولوجية وورشات في البراعات اليدوية إلى جانب عروض رياضية ونقاشات صحية حول مخاطر الإدمان وعرض أشرطة وثائقية تتناول منتوج الرمان بالجهة. أما الأحد 25 أكتوبر فيخصص جانب مهم منه للأطفال والعائلات عبر ورشات للرسم والأشغال اليدوية باستعمال منتجات الرمان وألعاب جماعية وعروض في التعبير الجسماني ومسرحية بعنوان "Pomegranate Story of" قبل اختتام المهرجان بحفل موسيقي وتوزيع الجوائز على الفائزين وتكريم المساهمين والداعمين، مما يتضمن البرنامج مسابقة في التصوير الفوتوغرافي واختيار أفضل ضيعة منتجة للرمان وأفضل جناح في المعرض الحرفي مع رسم جدارية تجسد شجرة الرمان وخصوصية المهرجان على جدران ساحة الشهداء.

وتبقى القيمة الحقيقية للمهرجان مرتبطة بما يمكن أن يحققه بعد انقضاء أيامه الثلاثة فالمعارض والمسابقات قادرة على منح المنتوج المحلي مساحة للتعريف والترويج لكن التنمية المستدامة تتطلب أيضا تشجيع التحويل الغذائي للرمان وتحسين وسائل حفظه وتعليبه وتيسير وصول المنتجين إلى الأسواق ومرافقة المبادرات النسائية والشبابية وتطوير شراكات بين الهياكل الفلاحية والثقافية والسياحية، كما يستدعي ارتفاع الإنتاج الوطني المتوقع في 2026 مقارنة بالسنة السابقة الانتباه إلى ضرورة تحقيق التوازن بين وفرة المحصول والطلب حتى لا يقتصر نجاح الموسم على كمية الإنتاج بل يشمل قدرة الفلاح على تسويق محصوله بسعر مجز. وفي هذا السياق يمكن لمهرجان غار الدماء أن يكون حلقة وصل بين المنتجين والمستهلكين والمستثمرين وأن يسهم في إبراز الخصوصيات الطبيعية والثقافية للمنطقة ضمن مسار أوسع للتنمية المحلية.

وبين الرمان وذاكرة المكان تتهيأ غار الدماء لاستقبال زوارها في دورة جديدة تجمع الفلاحة والثقافة والتراث والإبداع وهي مناسبة للاحتفاء بمنتوج ارتبط بهوية المنطقة ومورد عيش عدد من أبنائها لكنها أيضا فرصة لتجديد النقاش حول سبل تثمين الثروة الفلاحية وتحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة بما يدعم المنتج المحلي ويعزز مكانة المرأة الريفية ويوسع آفاق التنمية في ولاية جندوبة.