من الحق في المساواة إلى قوة الاستقلال المالي ...جندوبة تراهن على تمكين المرأة اقتصاديا

من الحق في المساواة إلى قوة الاستقلال المالي ...جندوبة تراهن على تمكين المرأة اقتصاديا

بقلم: إيمان مزريقي 

في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى تعزيز الاستقلالية الاقتصادية للنساء وتوسيع مشاركتهن في التنمية احتضنت ولاية جندوبة يوم 24 سبتمبر 2026 الندوة الافتتاحية لمشروع C² – Choix au carré الهادف إلى تطوير الثقافة المالية للنساء وتعزيز قدرتهن على اتخاذ القرار والتصرف في الموارد وبناء مستقبل اقتصادي أكثر استقرارا وذلك في إطار الشراكة بين Global Thinking Foundation وجمعية المرأة الريفية بجندوبة.

ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على بعدها التكويني وإنما تطرح مسألة جوهرية تتعلق بالفجوة بين الحقوق التي تضمنها التشريعات والقدرة الفعلية على ممارستها في الحياة اليومية. فالتمكين الاقتصادي لا يعني امتلاك دخل فحسب وإنما يشمل القدرة على إدارته بحرية والنفاذ إلى الخدمات المالية وفهم شروط التمويل والادخار والاستثمار وتقييم المخاطر واتخاذ قرارات مستقلة بعيدا عن التبعية والتحكم الاقتصادي. وتكشف بيانات قاعدة الشمول المالي العالمي التابعة للبنك الدولي عن حجم التحدي في تونس إذ بلغت نسبة النساء اللواتي يمتلكن حسابا لدى مؤسسة مالية أو يستعملن خدمة مالية عبر الهاتف المحمول 26.6 بالمائة سنة 2024 مقابل 49.6 بالمائة لدى الرجال وهو فارق يبلغ 23 نقطة مئوية ويبرز الحاجة إلى توسيع النفاذ إلى الخدمات المالية وتعزيز المعرفة بطرق استعمالها. 

وعلى المستوى القانوني يقر الفصل 51 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 بمسؤولية الدولة في حماية الحقوق المكتسبة للمرأة والعمل على دعمها وتطويرها وضمان تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات. كما يمثل القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة إطارا مهما لمناهضة العنف الاقتصادي إذ يتناول صورا من الحرمان من الموارد والتحكم في المداخيل والتمييز الاقتصادي القائم على الجنس.

غير أن الاعتراف القانوني بالحقوق يظل بحاجة إلى سياسات فعالة وآليات حماية متاحة ومعرفة مجتمعية تتيح للنساء التعرف إلى حقوقهن والمطالبة بها. 

وفي المقابل تقدم التجربة الإيطالية مثالا على الجمع بين الحماية القانونية ودعم المبادرة النسائية من خلال منظومة من التشريعات والبرامج والمؤسسات. فقد صادقت إيطاليا على اتفاقية إسطنبول بموجب القانون عدد 77 لسنة 2013 كما أطلقت برامج لدعم المؤسسات التي تقودها النساء من بينها صندوق المؤسسات النسائية الذي يجمع بين الحوافز المالية والتكوين والمرافقة الفنية والإدارية. ومع ذلك فإن المقارنة الدقيقة تقتضي الإشارة إلى أن أبواب الترشح الأصلية لهذا الصندوق أغلقت سنة 2022 بعد استنفاد الموارد المخصصة لها بينما تواصل برامج أخرى دعم المبادرة النسائية وفق شروطها وآلياتها الخاصة. 

ومن ثم فإن الفرق لا يكمن في وجود القوانين في بلد وغيابها في آخر وإنما في طبيعة الأدوات التنفيذية وتكامل التمويل والتكوين والمرافقة وإمكانية الوصول الفعلي إلى الفرص. وفي ولاية جندوبة تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء ضرورة دعم المرأة الريفية وتوسيع مشاركتها في النشاط الاقتصادي وتحسين قدرتها على تحويل مهاراتها ومواردها إلى فرص منتجة.

ومن هذا المنطلق ركزت الندوة الافتتاحية لمشروع Choix au carré على التثقيف المالي وإدارة الموارد والتخطيط المالي والادخار والاستثمار والنفاذ إلى الخدمات المالية ومناهضة العنف الاقتصادي كما أتاحت للمشاركات عرض تجاربهن وانتظاراتهن والتحديات التي تواجههن والتفاعل بشأن الحلول والفرص الممكنة. ويكمن الرهان في تحويل هذه المحاور إلى مهارات قابلة للتطبيق تساعد النساء على فهم شروط القروض وتقدير كلفة التمويل وإعداد الميزانيات وتقييم المخاطر والتخطيط لمشاريعهن مع توفير المرافقة اللازمة لضمان استمراريتها. 

كما يقتضي تقييم أثر المشروع اعتماد مؤشرات واضحة تشمل تطور المعارف المالية وقدرة المشاركات على اتخاذ القرارات وتحسن النفاذ إلى الخدمات وتقدم المبادرات الاقتصادية كلما توفرت بيانات متابعة موثوقة.

هذا  وتتجاوز قيمة هذه الشراكة تنظيم الندوات والأنشطة إلى الإسهام في بناء مسار تنموي يربط بين الحق القانوني والفرصة الاقتصادية والمعرفة المالية والمرافقة العملية، فالمرأة التي تمتلك المعرفة والأدوات والفرص تكون أقدر على حماية مصالحها وتطوير قدراتها والمشاركة في تنمية محيطها، ومن هنا فإن نجاح مشروع Choix au carré يقاس بقدرته على تحويل التوعية إلى ممارسة والاستقلالية إلى قدرة فعلية على الاختيار والمبادرة والإنتاج بما يعزز مكانة المرأة في الاقتصاد المحلي ويدعم تنمية أكثر إنصافا واستدامة في جندوبة وتونس عموما.