ليست الصورة في مقبرة سيدي عسيلة بباردو مجرد مشهد عابر يمكن اختزاله في بعض الأوساخ أو الأعشاب أو أكوام التراب. ما يراه الزائر، وفق شهادات متداولة وصور الوضع القائم، يطرح سؤالاً أكبر وأكثر إحراجاً: كيف يمكن أن تصل حالة مقبرة إلى هذا المستوى من الإهمال، دون أن تتحول إلى أولوية لدى الجهة المسؤولة عن تهيئتها وصيانتها؟
الزائر الذي يدخل المقبرة اليوم لا يجد بالضرورة ممرات مهيأة تسهّل عليه الوصول إلى قبر فقيده، بل يواجه الحجارة والأتربة والنباتات التي تزاحم القبور وتعيق حركة المارة، في حين يبدو بعض أجزاء السور في وضع يثير مخاوف حقيقية من انهياره.
وهنا لا يعود الحديث عن مسألة جمالية أو عن رغبة في رؤية مقبرة "مرتبة". نحن أمام فضاء له حرمة دينية وإنسانية واجتماعية، وأمام عائلات لا تقصد المكان للنزهة، وإنما تأتي لتقرأ الفاتحة، وتترحم، وتزور آباءها وأمهاتها وأبناءها وأقاربها الذين غادروا الحياة.
فكيف يُطلب من هؤلاء أن يؤدوا أبسط واجبات الوفاء لموتاهم وهم يجدون أنفسهم مضطرين إلى التنقل بين أكوام التراب والحجارة والأشجار، وسط وضعية تجعل حتى المرور بين القبور أمراً شاقاً؟
والأشد إيلاماً أن انتشار القوارض والحشرات في محيط القبور يضيف إلى المشهد بعداً آخر من الإهمال. فالمقبرة ليست مجرد قطعة أرض تحتوي على قبور، بل مكان يفترض أن يخضع للحد الأدنى من المتابعة والتنظيف والمراقبة والصيانة الدورية.
أما ترك سور أو جدران في حالة متردية، بحيث يصبح الزائر مهدداً بسقوط أجزاء منها في أي لحظة، فهو أمر لا يمكن التعامل معه بمنطق "سننظر في الموضوع لاحقاً". السلامة لا تنتظر، والمقابر لا ينبغي أن تتحول إلى فضاءات يتوجس الناس من السير داخلها أو الاقتراب من بعض أجزائها.
المشكلة الحقيقية هنا ليست فقط في تراكم الأوساخ أو غياب التنظيف، بل في غياب الإحساس بقدسية المكان وبمسؤولية الإدارة عنه.
فالبلديات لا تقاس فقط بقدرتها على تهيئة الشوارع والساحات والحدائق، وإنما أيضاً بقدرتها على الاعتناء بالأماكن التي تحفظ ذاكرة العائلات وكرامة موتاها.
الموتى لا يرفعون الشكاوى، ولا يكتبون العرائض، ولا يطالبون بحقوقهم. لكن احترامهم مسؤولية الأحياء.
ولهذا فإن المطلوب من بلدية باردو ليس مجرد حملة تنظيف ظرفية أمام عدسات الكاميرات، ثم عودة الوضع إلى ما كان عليه بعد أيام، وإنما حل جذري ودوري يقوم على تنظيف المقبرة، فتح الممرات، إزالة الأعشاب والأتربة والحجارة، تقليم الأشجار، مراقبة وصيانة السور والجدران، ومقاومة القوارض والحشرات، مع وضع برنامج واضح للصيانة الدورية.
والسؤال الذي يفرض نفسه بوضوح هو:
هل تحتاج مقبرة حتى تتحول إلى مصدر تذمر يومي للخروج من دائرة النسيان؟
أليس من المفترض أن تكون هناك متابعة دورية لهذه الأماكن دون أن تضطر العائلات إلى نشر الصور والنداءات حتى تتحرك الجهات المعنية؟
ما يحدث في سيدي عسيلة لا ينبغي أن يصبح أمراً عادياً. الاعتياد على الإهمال أخطر من الإهمال نفسه، لأن ما يبدو اليوم مجرد أتربة وأعشاب وحجارة قد يتحول غداً إلى خطر حقيقي على الزوار، فضلاً عن الإساءة المستمرة إلى حرمة المكان.
وفي النهاية، الرسالة واضحة:
يا بلدية باردو، هذه ليست حديقة مهملة ولا رصيفاً يحتاج إلى تنظيف. هذه مقبرة، وهنا يرقد موتى أهالي باردو.
فاحترموا حرمة الأموات، واتقوا الله فيهم، وأعيدوا لهذا المكان الحد الأدنى من النظافة والكرامة والحرمة التي يستحقها.
فالذي يزور قبر أمه أو أبيه أو ابنه لا يجب أن يدخل المقبرة وهو يسأل نفسه: كيف سأصل إلى قبره؟ وهل هذا السور آمن؟ وهل سأتمكن من المرور دون أن أتعثر؟
ذلك أقل ما يمكن أن توفره مدينة تحترم أحياءها... وتحترم موتاها.


