سفينة حربية عمرها ألفا عام تكشف سرًّا مذهلًا في أعماق البحر الأسود!

سفينة حربية عمرها ألفا عام تكشف سرًّا مذهلًا في أعماق البحر الأسود!

بناها الملك ميثريداتس السادس لمواجهة روما، وحمى صانعوها أخشابها بمزيج غريب من الطين وشعر الحيوانات وشمع العسل… حطام نادر يكشف أسرار الهندسة البحرية في العالم القديم.

في أعماق البحر الأسود، وبين طبقات الرمال والطمي التي أخفت ملامحها لأكثر من ألفي عام، ظهرت بقايا سفينة حربية قديمة تحمل أسرارًا غير متوقعة عن براعة الإنسان في مواجهة أخطار البحر والحروب. فقد كشفت الدراسات أن صانعي هذه السفينة استخدموا تركيبات متنوعة من المواد الطبيعية والمعدنية لحماية هيكلها الخشبي، في تقنيات تعكس معرفة متقدمة بأساليب العزل والصيانة في العصور القديمة.

وتعود السفينة، وفق ترجيحات الباحثين، إلى الأسطول الذي بناه الملك ميثريداتس السادس، ملك بونتوس وأحد أبرز خصوم الجمهورية الرومانية، خلال مرحلة اتسمت بالصراع على النفوذ في حوض البحر الأسود.

كبش برونزي فضح هوية السفينة

بدأت القصة مع اكتشاف حطام السفينة قرب موقع مدينة فاناجوريا اليونانية القديمة، على ساحل شبه جزيرة تامان في روسيا الحالية. وكانت الرمال والطمي والأصداف قد غطّت أجزاء كبيرة من هيكلها، ما جعل تحديد طبيعتها مهمة صعبة أمام الباحثين.

في البداية، اعتُقد أن الحطام يعود إلى سفينة تجارية، لكن العثور على كبش بحري برونزي قرب مقدمتها غيّر مسار التحقيقات. ويبلغ طول هذا الجزء نحو متر، ويحمل رموزًا مرتبطة بالملك ميثريداتس السادس، من بينها الهلال والنجمة الخماسية.

وكان الكبش البحري، الذي يُثبّت عادة في مقدمة السفن الحربية، يُستخدم لضرب سفن العدو وإحداث أضرار في هياكلها. وقد عزز اكتشافه فرضية انتماء السفينة إلى الأسطول الملكي، مقدّمًا دليلًا أثريًا مهمًا على طبيعتها العسكرية.

وتشير تحليلات الكربون المشع إلى أن أخشابها تعود إلى منتصف القرن الأول قبل الميلاد. ويبلغ طول البقايا نحو 16 مترًا، وعرضها قرابة 2.7 متر، فيما يرجّح الباحثون أنها كانت سفينة سريعة ذات صف واحد من المجاديف. ويرتبط غرقها، وفق الفرضية المطروحة، بالاضطرابات التي شهدتها فاناجوريا عام 63 قبل الميلاد، خلال تمرد ضد حكم ميثريداتس السادس.

شعر الحيوانات والطين… درع غير تقليدي ضد النيران

لم يكن العنصر الأكثر إثارة في هذا الاكتشاف هو السلاح البرونزي وحده، بل المواد التي استخدمها صانعو السفينة لحماية هيكلها الخشبي.

فقد كشفت الفحوص عن وجود مزيج من الطين وشعر الأغنام والخيول والماعز، إلى جانب قطع جلدية ودهن الخنزير والريش، على الأسطح الداخلية للهيكل. كما استُخدم الصوف المطلي بالقار لحشو الفواصل بين الألواح الخشبية، قبل تغطيتها بالطين للمساعدة على إحكام إغلاقها.

وتشير هذه التركيبة إلى أن بناة السفينة اعتمدوا حلولًا متعددة لتقليل تسرب المياه وتعزيز عزل أجزاء الهيكل. ويرى الباحثون أن بعض هذه الطبقات ربما ساهم في الحد من تأثير النيران، بما فيها الحرائق التي قد تنشب خلال الاشتباكات البحرية، غير أن تحديد كفاءة كل مادة في مقاومة الحريق يحتاج إلى أدلة إضافية.

وتكشف هذه التفاصيل أن بناء السفن في العالم القديم لم يكن مجرد تجميع للأخشاب، بل عملية هندسية تتطلب معرفة بخصائص المواد المتاحة وكيفية استخدامها لمواجهة ظروف البحر ومخاطر القتال.

طلاء أحمر لمواجهة أعداء لا تُرى بالعين

أما السطح الخارجي للسفينة، فقد حمل آثار طلاء أحمر مائل إلى البرتقالي، أظهرت التحليلات احتواءه على معدن الريالغار، إلى جانب شمع العسل وراتنج الصنوبر.

ويُرجّح أن هذه التركيبة استُخدمت لحماية الأخشاب المغمورة والحد من التصاق الكائنات البحرية بها، بما في ذلك ديدان السفن التي تحفر الأنفاق داخل الخشب وتتسبب في إضعافه تدريجيًا.

وكانت هذه الكائنات تمثل خطرًا حقيقيًا على السفن الخشبية، إذ يمكن أن تؤدي أضرارها المتراكمة إلى تقليص عمر الهيكل ورفع تكاليف صيانته. ولذلك، فإن استخدام طلاءات واقية يشير إلى إدراك قديم لأهمية حماية الأخشاب، لا من الأمواج والمياه فحسب، بل أيضًا من الكائنات التي تتلفها.

ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن الطلاء حقق جميع هذه الوظائف بالدرجة نفسها، إذ يتطلب تحديد أدائه الفعلي مزيدًا من التحليل والمقارنة مع تقنيات بحرية معاصرة له.

معادن وإصلاحات تكشف أسرار الصيانة

وأظهرت التحليلات أن مسامير السفينة صُنعت من النحاس وسبائكه، فيما استُخدم الرصاص في إحدى الصفائح، وصُنع الكبش البحري من برونز يحتوي على الرصاص والقصدير.

ويُفسّر استخدام هذه المواد، جزئيًا، بخصائصها الملائمة للأعمال البحرية، وإن كانت مقاومتها للتآكل تختلف باختلاف تركيب السبيكة وظروف التعرض لمياه البحر.

كما كشفت آثار الإصلاحات المتعددة واستخدام أخشاب من أنواع مختلفة عن أن السفينة خضعت لأعمال صيانة متكررة. وتدعم هذه الملاحظات احتمال أن صانعيها ومستخدميها سعوا إلى إطالة عمرها التشغيلي بدلًا من الاكتفاء ببنائها ثم استبدالها عند أول تلف.

وتقدم هذه التفاصيل صورة عن جانب مهم من القوة البحرية في العصور القديمة: فامتلاك السفن لم يكن كافيًا وحده، بل كانت القدرة على صيانتها وحماية أخشابها وإصلاح أضرارها عنصرًا أساسيًا في استمرار جاهزيتها للحرب.

حطام قديم يعيد كتابة تفاصيل الهندسة البحرية

بعد أكثر من ألفي عام تحت الماء، تحولت السفينة إلى سجل أثري نادر يوثّق خبرات بناة السفن في استخدام المواد الطبيعية والمعادن لمواجهة تحديات البيئة البحرية.

فمن الصوف والقار والطين إلى شمع العسل وراتنج الصنوبر والسبائك المعدنية، تكشف بقايا الهيكل عن حلول متعددة لمشكلات ما زالت صناعة السفن تواجه نظائر لها، وإن اختلفت المواد والتقنيات الحديثة.

ولا يعني ذلك أن جميع هذه الوسائل كانت متطورة بالمعنى التقني المعاصر، لكنه يبرز قدرة الحرفيين القدماء على توظيف المواد المتاحة وفق احتياجات عملية دقيقة.

وهكذا، لا تروي السفينة قصة مواجهة بحرية قديمة فحسب، بل تكشف أيضًا عن معركة أخرى خاضها الإنسان بصمت: معركة حماية الخشب من الماء والنار والكائنات البحرية، وضمان بقاء السفينة صالحة للإبحار في زمن كانت فيه القوة البحرية أحد مفاتيح النفوذ والصراع.