ليست كل كلمة جارحة تُقال بقصد الإهانة، وليست كل كلمة اعتدنا عليها خالية من المعنى.. وحين يتعلق الأمر بالأم، يصبح اختيار اللفظ جزءاً من الاحترام.
هناك فرق كبير بين الاحترام والإهانة، وأحياناً لا يتجاوز هذا الفرق كلمة واحدة.
قد يقول شخص «العزوزة» وهو لا يقصد الإساءة، لأنها كلمة درج عليها لسانه وأصبحت جزءاً من لهجته وعادته. لكن حسن النية لا يمنعنا من مراجعة الكلمات التي نستعملها، خصوصاً عندما يكون المخاطَب هو الإنسان الذي يستحق منا أرقى عبارات التقدير.
فالأم ليست مجرد امرأة تقدّم بها العمر حتى نصفها بما يدل على الشيخوخة أو العجز. إنها المرأة التي حملت، وولدت، وأرضعت، وسهرت، وربّت، وكبّرت، وضحّت.
وهنا يظهر الفرق:
الاحترام أن ترى الإنسان قبل عمره، وأن ترى فضله قبل ضعفه، وأن تتذكر عطاءه قبل أن تلاحظ تغير ملامحه.
أما الإهانة، فقد تكون في اختزال إنسان كامل في صفة تمس عمره أو ضعفه أو مظهره، حتى وإن لم تكن النية المعلنة هي الإساءة.
«أمي».. الكلمة التي لا تحتاج إلى تفسير
حين نقول «أمي»، فإننا لا نصف عمرها ولا شكلها ولا قدرتها الجسدية. نحن نستحضر مكانتها.
«أمي» تعني المرأة التي حملتنا في رحمها، ثم حملتنا بين ذراعيها، وسهرت على راحتنا، وفرحت لفرحنا وتألمت لألمنا.
لذلك، فإن استبدال الألفاظ التي قد تحمل معنى الانتقاص بكلمة «أمي» ليس مجرد تغيير في اللهجة، بل هو اختيار للفظ أكثر دفئاً ووفاءً.
قد لا يكون كل من يقول «العزوزة» مهيناً، وهذه نقطة يجب قولها بوضوح. لكن ليس كل ما اعتدناه يجب أن نستمر فيه، إذا وجدنا كلمة أجمل وأكرم وأكثر تعبيراً عن مكانة من نخاطب.
الأم لا تحتاج إلى ألقاب تنتقص منها
حين تكبر الأم، فإنها لا تفقد قيمتها، بل تكبر في أعين أبنائها بما قدمته لهم.
تجاعيد وجهها ليست عيباً، وشعرها الأبيض ليس نقصاً، وضعف جسدها ليس سبباً لإنزال مكانتها.
كل ذلك جزء من عمر قضته في العطاء.
لذلك، لا تختصروا الأم في كلمة تشير إلى كبر سنها، ولا تجعلوا اللسان أسرع من القلب.
نادوها كما تشعرون تجاهها: أمي.
فبين «العزوزة» و«أمي» ليست المسألة مجرد لفظين مختلفين؛ إنها مسألة كيف نرى المرأة التي أمامنا: هل نختزلها في عمرها، أم نكرّمها بما تمثله لنا؟
والأجمل أن نختار دائماً الكلمة التي لا تترك في قلب الأم أي احتمال للأذى.
قولوا: أمي.
فهي ليست عجوزاً في ذاكرتنا، ولا رقماً في دفتر العمر، ولا جسداً أنهكته السنوات...
هي أمي، ومن كانت سبباً في وجودي، تستحق اسماً يليق بكل ما فعلته من أجلي.


