في تاريخ كرة القدم، هناك نجوم صنعتهم الأهداف، وآخرون صنعتهم الألقاب. لكن قلة نادرة فقط تحولت إلى أساطير لأنها غيرت المجتمع قبل أن تغير نتائج المباريات. كان البرازيلي سقراط واحدًا من هؤلاء العمالقة الذين عاشوا خارج القالب التقليدي للاعب كرة القدم، فكان طبيبًا ومفكرًا وثائرًا وقائدًا وفنانًا في آن واحد.
عندما كان زملاؤه يحلمون بالاحتراف والمال والشهرة، كان هو يدرس الطب ويقضي ساعات طويلة بين الكتب والمحاضرات. وحين أصبح نجمًا عالميًا، لم يتخل عن لقب "الدكتور"، ليبقى اللاعب الوحيد تقريبًا الذي دخل الملاعب بشهادة طب وجراحات أكثر مما دخلها بأحذية كرة القدم.
ولد سقراط سنة 1954 بمدينة بيليم البرازيلية، ليبدأ رحلة استثنائية ستجعله لاحقًا أحد أعظم لاعبي خط الوسط في تاريخ كرة القدم. وعلى امتداد مسيرته خاض أكثر من 600 مباراة رسمية وسجل ما يزيد عن 170 هدفًا، وهي أرقام مذهلة بالنسبة إلى لاعب وسط لم يكن دوره الأساسي التسجيل.
لكن الأرقام وحدها لا تروي قصة سقراط.
ففي نادي كورينثيانز، النادي الذي تحول معه إلى رمز وطني، لم يكتف بقيادة الفريق إلى الألقاب، بل قاد واحدة من أشهر الثورات الرياضية في التاريخ. ففي مطلع الثمانينيات أطلق مع زملائه تجربة "ديمقراطية كورينثيانز"، حيث أصبح اللاعبون يشاركون في اتخاذ القرارات داخل النادي في زمن كانت البرازيل ترزح تحت الحكم العسكري.
كان سقراط يرفع الشعارات المطالبة بالحرية على قمصانه ويخاطب الجماهير كما يخاطب السياسيون الشعوب. لذلك لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، بل أصبح صوتًا لجيل كامل يبحث عن الديمقراطية.
وعلى المستطيل الأخضر، كان ساحرًا بكل معنى الكلمة.
بقامته التي بلغت 1.92 متر، كان يبدو لاعبًا مختلفًا عن كل نجوم عصره. طويل القامة، بطيء نسبيًا، لكنه يمتلك رؤية خارقة للملعب. كانت تمريراته بالكعب تثير دهشة الجماهير، فيما جعلت لمساته الساحرة منه أحد أكثر اللاعبين أناقة في تاريخ اللعبة.
وجاءت كأس العالم 1982 لتصنع أسطورته الخالدة.
قاد سقراط منتخب البرازيل الذي ضم زيكو وفالكاو وإيدير وسيريزو، وهو المنتخب الذي يعتبره كثيرون أعظم منتخب لم يفز بكأس العالم. لعب كرة هجومية ساحرة أبهرت العالم بأسره، لكن الحلم انتهى أمام إيطاليا في مباراة تاريخية ما زالت توصف حتى اليوم بأنها واحدة من أعظم مباريات كأس العالم.
ورغم خروجه من البطولة دون لقب، بقي سقراط في ذاكرة الملايين أكثر من عشرات اللاعبين الذين رفعوا الكأس.
شارك مع منتخب البرازيل في 63 مباراة دولية وسجل 25 هدفًا، وقاد السيليساو في مونديالي 1982 و1986، ليصبح أحد أبرز القادة في تاريخ المنتخب البرازيلي.
المفارقة أن الرجل الذي كان يعالج المرضى في المستشفيات، أصبح لاحقًا رمزًا لعلاج كرة القدم من النمطية والجمود. فقد أثبت أن اللاعب يمكن أن يكون مثقفًا وصاحب قضية وموقف، لا مجرد رياضي يبحث عن الأضواء.
وفي الرابع من ديسمبر 2011، رحل سقراط عن عمر 57 عامًا، لكن خبر وفاته تحول إلى حدث وطني في البرازيل. خرجت الجماهير إلى الشوارع، وبكاه عشاق الكرة في مختلف أنحاء العالم، ليس لأنه كان لاعبًا عظيمًا فقط، بل لأنه كان إنسانًا استثنائيًا سبق عصره بسنوات طويلة.
حتى اليوم، وبعد أكثر من عقد على رحيله، ما زال اسم سقراط يُذكر كلما دار الحديث عن اللاعبين الذين غيروا التاريخ. فهو الرجل الذي جمع بين الطب والسياسة والفلسفة وكرة القدم، وصنع مجدًا لا يقاس بعدد الكؤوس، بل بحجم الأثر الذي تركه في قلوب الناس.
كان سقراط أكثر من أسطورة كروية...
كان فكرةً تمشي على قدمين.



