بقلم: عزيز بن جميع
ليست كل المعارك تُخاض على ركح المسرح، فبعضها يدور في الكواليس حيث تُختبر الإرادة قبل الحنجرة، ويُقاس الكبرياء بمدى القدرة على الصمود. الفنانة رحمة بوعلي لم تعد مجرد صوت طربي عذب، بل تحولت إلى عنوان لمعركة مبدعٍ رفض أن يُختزل في بند تعاقدي أو يُحاصر في زاوية “الاحتكار”.
حكمٌ قضائي يفتح الأبواب
بعد جدلٍ قانوني استمر فترة، جاء الحكم القضائي القطعي (عدد 70267) ليضع حدًا للتأويلات، مؤكدًا أحقية الفنانة في ممارسة نشاطها الفني بحرية. قرارٌ أعاد ترتيب المشهد، ووجّه رسالة واضحة مفادها أن الإبداع لا يُقايض، وأن الحق المهني تحميه مؤسسات الدولة حين تُستوفى شروطه القانونية.
بالنسبة لرحمة، لم يكن الأمر مجرد نزاع تعاقدي، بل امتحانًا حقيقيًا لصوتٍ اختار أن يبقى حرًا. ومع صدور الحكم، استعادت الساحة الفنية اسمًا ظل حاضرًا في وجدان الجمهور رغم الضجيج.
صوتٌ من خارج الأقفاص
من يعرف رحمة بوعلي عن قرب، يدرك أن حضورها لا يقوم فقط على قوة الأداء، بل على شخصية هادئة، ووعي فني يبتعد عن الإثارة السطحية. اختارت أن تبني مسيرتها بالالتزام والرصانة، وأن تراهن على جمهور يقدّر الكلمة الراقية والاختيارات الموسيقية المتوازنة.
لم تلجأ يومًا إلى الصخب كوسيلة للبقاء في الضوء، بل تركت لصوتها أن يتكلم. وفي زمن تتزاحم فيه الأسماء، ظلت تحافظ على خط فني واضح، يجعلها أقرب إلى مدرسة الطرب الأصيل منه إلى موجات الاستهلاك السريع.
رسالة إلى الوسط الفني
قضية رحمة بوعلي أعادت فتح نقاش أوسع حول علاقة الفنان بشركات الإنتاج، وحدود التعاقد، وحق المبدع في إدارة مسيرته. وهي رسالة أيضًا إلى متعهدي الحفلات ومديري الفضاءات الثقافية بأن المشهد الفني لا يستقيم إلا في مناخ شفاف يحترم القانون ويحمي المواهب.
اليوم، تعود رحمة بوعلي إلى جمهورها متسلحة بحكم قضائي واضح، وبثقة جمهور لم يغادرها. تعود لا بروح المنتصر على خصم، بل بروح الفنان الذي يؤمن أن صوته خُلق ليغني، لا ليُحتجز.
هكذا تنتصر الحنجرة حين يسندها القانون، وهكذا يظل الفن التونسي مساحةً للكرامة قبل أن يكون منصةً للنجومية.



