بقلم: عزيز بن جميع
في زمنٍ باتت فيه الشهرة تُقاس بسرعة الانتشار أكثر مما تُقاس بعمق التجربة، وفي خضمّ ضجيج موسيقي يعلو فوق كثير من الأصوات الجادة، تظلّ هناك أسماء تختار طريقاً مختلفاً... طريق الصمت، البحث، والوفاء للفن الحقيقي.
من بين هذه الأسماء تبرز عازفة العود آمنة بن عيسى، فنانة اختارت أن تجعل من أوتار آلتها لغةً خاصة، ومن المقامات فضاءً للتعبير، ومن الموسيقى رحلةً لا تبحث عن الأضواء بقدر ما تبحث عن الصدق.
العود... حين يتحول الخشب إلى إحساس
آمنة بن عيسى ليست مجرد عازفة تمتلك مهارة تقنية، بل هي موسيقية تحمل مشروعاً فكرياً وثقافياً. فعندما تمسك بالعود، لا يبدو الأمر مجرد أداء لنغمات محفوظة، بل حواراً بين فنانة وآلة اختارت أن تمنحها صوتاً جديداً.
كل نغمة تصدر عنها تحمل أثراً من الدراسة والبحث، وكل انتقال بين المقامات يكشف عن معرفة عميقة بالتراث الموسيقي العربي وقدرة على تجديده دون التفريط في أصالته.
إنها من أولئك الفنانين الذين يؤمنون بأن الإتقان لا يأتي من الاستعجال، وأن الموسيقى الراقية تحتاج إلى صبر طويل قبل أن تصل إلى الجمهور.
موهبة كبيرة... في انتظار الإنصاف
يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم تحتل آمنة بن عيسى المكانة التي تستحقها في المشهد الموسيقي؟
فهي تجمع بين عناصر نادرة:
أصالة فنية تقوم على التمكن من المقامات والتعبير العميق.
تكوين أكاديمي يمنح أداءها دقة ووعياً موسيقياً.
حس إبداعي يجعل العود لا يكتفي بإصدار الأصوات، بل يحكي الحكايات.
لكن واقع المشهد الفني اليوم كثيراً ما يمنح الأولوية للصورة السريعة والحضور الاستهلاكي، على حساب التجارب التي تحتاج إلى إنصات وتأمل.
حين تُظلم الذائقة قبل أن يُظلم الفنان
إن بقاء فنانة بقيمة آمنة بن عيسى بعيداً عن المساحات الكبرى لا يمكن اعتباره نقصاً في موهبتها، بل هو خسارة للمشهد الثقافي نفسه.
فالفنان الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج مفتعل كي يثبت وجوده، بل يحتاج إلى مناخ يقدّر الإبداع ويحمي التجارب الجادة من التهميش.
آمنة بن عيسى لا تبحث عن مجرد فرصة عابرة، بل تستحق أن يُعاد تقديم مشروعها الموسيقي للجمهور، باعتباره نموذجاً للموسيقى التي تحترم العقل والوجدان معاً.
قد تصمت المنابر أحياناً عن بعض الأسماء، وقد تتأخر الأضواء في الوصول إلى أصحاب المواهب الحقيقية، لكن الفن الصادق لا يختفي.
سيظل عود آمنة بن عيسى شاهداً على أن هناك موسيقى لا تُسمع فقط بالأذن، بل تُدرك بالقلب... موسيقى تولد من ريشة حزينة تعرف تماماً كيف تصيب الوتر.


