حفلات تجارية ومهرجان خارج نبض العصر... هل فقد مهرجان قرطاج بوصلته؟

حفلات تجارية ومهرجان خارج نبض العصر... هل فقد مهرجان قرطاج بوصلته؟

بقلم: عزيز بن جميع

لم يعد الجدل حول مهرجان قرطاج الدولي يقتصر على جودة البرمجة أو تنوع العروض، بل تحول إلى نقاش أعمق حول هوية هذا الصرح الثقافي الذي شكّل لعقود واجهة للفن التونسي والعربي والعالمي. ومع الإعلان عن برمجة الدورة الحالية، ارتفعت أصوات عديدة تعتبر أن المهرجان يعيش أزمة رؤية حقيقية، وأنه أصبح أسير منطق السوق أكثر من وفائه لرسالته الثقافية.

إقصاء الكفاءات... خسارة للذاكرة الفنية

يرى عدد من المتابعين أن البرمجة الحالية أغفلت أسماء تونسية صنعت تاريخ الأغنية والموسيقى، من بينها محمد الجبالي وزياد غرسة، فيما غابت أسماء أخرى مثل منير المهدي وصوفية صادق وكريم شعيب، سواء باختيارها الابتعاد أو لعدم إدراجها ضمن البرنامج.

وبغض النظر عن اختلاف وجهات النظر حول كل حالة، فإن هذا الغياب يطرح تساؤلات حول المكانة التي بات يحظى بها الفنان التونسي داخل أهم مهرجان في البلاد، ومدى قدرة البرمجة على تحقيق التوازن بين الأسماء الجماهيرية والرموز الفنية التي ساهمت في تشكيل الذاكرة الموسيقية الوطنية.

المسرح... الغائب الأكبر

ولا يقتصر الجدل على الموسيقى، إذ يرى منتقدو البرمجة أن المسرح التونسي، الذي طالما كان أحد أعمدة الإبداع الوطني، أصبح حضوره محدوداً. ويشيرون إلى غياب أسماء مسرحية بارزة مثل الفاضل الجعايبي، وفاضل الجزيري، وعز الدين قنون، وأنور الشعافي وغيرهم من المخرجين الذين صنعوا مجد المسرح التونسي، معتبرين أن ذلك يكرس هيمنة العروض الاستعراضية على حساب الإنتاج المسرحي الجاد.

بين الثقافة ومنطق السوق

يرى أصحاب هذا الطرح أن إدارة المهرجانات أصبحت تراهن بدرجة أولى على نسب الإقبال والمردودية المالية، وهو ما انعكس، بحسب رأيهم، على طبيعة الاختيارات الفنية. فالمعيار لم يعد دائماً القيمة الإبداعية أو التجديد، بل القدرة على استقطاب أكبر عدد من المتفرجين وتحقيق عائدات أكبر.

وفي المقابل، يؤكد المدافعون عن هذه المقاربة أن أي مهرجان دولي يحتاج أيضاً إلى تحقيق توازن مالي لضمان استمراريته، وأن استقطاب الأسماء الجماهيرية لا يتعارض بالضرورة مع تقديم عروض ذات قيمة فنية.

هل يحتاج قرطاج إلى مراجعة شاملة؟

يبقى السؤال المطروح اليوم: هل يعيش مهرجان قرطاج أزمة برمجة ظرفية، أم أنه بحاجة إلى مراجعة شاملة لفلسفته الثقافية وآليات اختيار عروضه؟

إن الحفاظ على مكانة قرطاج كأحد أعرق المهرجانات العربية والإفريقية يقتضي، وفق كثير من المتابعين، تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الفنان الجماهيري والفنان المبدع، وبين الجدوى الاقتصادية والرسالة الثقافية، وبين الانفتاح على العالم وحماية الإبداع التونسي.

ويبقى الاختلاف حول البرمجة أمراً طبيعياً، لكن الأهم أن يظل النقاش قائماً في إطار احترام الآراء المختلفة، وأن تكون الغاية المشتركة هي الارتقاء بمهرجان يحمل تاريخاً عريقاً ورمزاً من رموز الثقافة التونسية.