لطفي بوشناق... حين يتحول الفنان إلى ذاكرة وطن، حفل صفاقس يثبت أن الطرب الأصيل لا يشيخ

لطفي بوشناق... حين يتحول الفنان إلى ذاكرة وطن، حفل صفاقس يثبت أن الطرب الأصيل لا يشيخ

بقلم: عزيز بن جميع

ليست استمرارية لطفي بوشناق في صدارة المشهد الغنائي العربي وليدة الحظ أو مجرد تراكم سنوات من الحضور، بل هي نتيجة مشروع فني متكامل بُني على احترام الكلمة، وقدسية اللحن، والإيمان بأن الفن رسالة قبل أن يكون صناعة. لذلك لم يعد بوشناق مجرد مطرب كبير، بل أصبح ظاهرة ثقافية استثنائية، وواحدًا من آخر الحراس الأمناء على هوية الأغنية التونسية والعربية.

وإذا كان لا بد من دليل حي على هذه المكانة، فإن الحفل الذي أحياه ضمن فعاليات الدورة السادسة والأربعين لمهرجان صفاقس الدولي كان أبلغ الشواهد وأكثرها وضوحًا.

صفاقس... حين يتحول الحفل إلى حدث وطني

في المسرح الصيفي بسيدي منصور، لم يكن الجمهور على موعد مع سهرة فنية عادية، بل مع ليلة استثنائية جسدت العلاقة الفريدة التي تربط لطفي بوشناق بجمهوره.

امتلأت المدارج عن آخرها، ورفعت السهرة شعار "كامل العدد" بحضور يقارب عشرة آلاف متفرج، في مشهد يؤكد أن الفنان الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج الدعاية ليملأ المسارح، بل يكفي أن يعلن عن حضوره حتى يتوافد عشاق الفن الأصيل من كل مكان.

نصف قرن... وجمهور يتجدد

اللافت في سهرة صفاقس لم يكن العدد فقط، وإنما طبيعة الجمهور.

كان المشهد أشبه بلوحة إنسانية نادرة؛ آباء وأمهات، شباب وأطفال، أجيال مختلفة توحدت حول الأغنية نفسها، ورددت الكلمات ذاتها، وكأن الزمن توقف احترامًا لفنان استطاع أن يبقى قريبًا من الجميع.

وهنا تكمن عبقرية لطفي بوشناق؛ فهو لم يحافظ على جمهوره القديم فحسب، بل نجح أيضًا في كسب جمهور جديد، ليؤكد أن الفن الصادق لا يعرف تاريخ انتهاء.

الطرب ينتصر على الضجيج

في زمن أصبحت فيه المؤثرات البصرية والإيقاعات السريعة عنوانًا لعدد كبير من العروض، اختار بوشناق أن يراهن على صوته فقط.

لم يحتج إلى بهرجة أو استعراض، بل ترك للمقام والكلمة أن يقودا السهرة، فكان الجمهور يصغي في خشوع، ويتفاعل مع كل موال وكل جملة موسيقية، في مشهد أعاد الاعتبار للطرب الحقيقي.

وعندما صدح بأغنيات مثل "ريتك ما نعرف وين" و**"نساية"**، بدا المسرح الصيفي وكأنه يغني بصوت واحد، في لحظة نادرة تتجاوز حدود الأداء الفني إلى حالة وجدانية جماعية.

أكثر من حفل... استفتاء على القيمة

لم يكن نجاح سهرة صفاقس مجرد نجاح جماهيري عابر، بل بدا وكأنه استفتاء شعبي على قيمة فنان اختار منذ بداياته أن يكون وفيًا لمبادئه، بعيدًا عن موجات الاستسهال الفني.

فبعد خمسة عقود من العطاء، ما يزال لطفي بوشناق قادرًا على فرض حضوره، وملء المسارح، وإقناع الجمهور بأن الفن الراقي لا يفقد بريقه مهما تغيرت الأذواق.

بوشناق... الذاكرة التي لا تشيخ

ما حدث في صفاقس لم يكن مجرد عرض موسيقي ناجح، بل رسالة ثقافية تؤكد أن الشعوب لا تتخلى عن فنانيها الحقيقيين، وأن الأغنية الأصيلة ما زالت تجد مكانها في قلوب الناس كلما وجدت من يحملها بصدق وإخلاص.

لقد أثبت لطفي بوشناق مرة أخرى أنه ليس مجرد صوت استثنائي، بل ذاكرة فنية حيّة، وواحد من أبرز رموز الهوية الموسيقية التونسية والعربية، وأن حضوره على الركح أصبح حدثًا ثقافيًا قبل أن يكون موعدًا فنّيًا.

ففي زمن تتبدل فيه الوجوه بسرعة، يبقى لطفي بوشناق استثناءً جميلاً... فنانًا لا يقاوم الزمن، لأن الزمن نفسه اختار أن يحفظ اسمه في سجل الخالدين.