سامي يوسف في قرطاج.. حين تحوّلت الموسيقى إلى صلاة، وصار المسرح الأثري معبداً للجمال

سامي يوسف في قرطاج.. حين تحوّلت الموسيقى إلى صلاة، وصار المسرح الأثري معبداً للجمال

لم يكن حضور الفنان العالمي سامي يوسف مساء السبت ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي مجرد موعد موسيقي، بل كان تجربة إنسانية وروحية استثنائية، تجاوزت حدود الحفل التقليدي لتلامس أعماق الوجدان، في أمسية امتزجت فيها الموسيقى بالفكر، والألحان بالتأمل، وعانق فيها صوت الإنسان ذاكرة أحد أعرق المسارح في العالم.

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن الجمهور مقبل على سهرة مختلفة، لا تقوم على الإبهار الاستعراضي أو الإيقاعات الصاخبة، بل على مشروع موسيقي متكامل، يحمل رؤية إنسانية وثقافية جعلت من سامي يوسف أحد أبرز سفراء الموسيقى الروحية في العالم.

موسيقى تعبر الحدود

برفقة Fons Sophiae Collective، وهي فرقة تضم موسيقيين من ثقافات وبلدان مختلفة، نسج سامي يوسف لوحة موسيقية راقية، التقت فيها الأنغام الشرقية بالموسيقى الكلاسيكية والعالمية، في حوار فني يعكس فلسفته القائمة على التقارب بين الشعوب والحضارات.

ولم يكن الجمهور مجرد مستمع، بل أصبح جزءاً من هذه الرحلة؛ يصغي في صمت خلال المقاطع التأملية، ثم ينفجر تصفيقاً مع نهاية كل عمل، في مشهد جسّد احتراماً متبادلاً بين الفنان وجمهوره، حيث كان الإنصات نفسه شكلاً من أشكال التفاعل.

الفن رسالة قبل أن يكون عرضاً

على امتداد السهرة، لم يقدّم سامي يوسف أغنيات فحسب، بل حمل رسائل تدعو إلى السلام والمحبة والتسامح والحوار بين الثقافات، وهي القيم التي شكلت منذ بداياته الهوية الحقيقية لمشروعه الفني.

فقد بدا واضحاً أن الرهان لم يكن على إبهار الجمهور بالمؤثرات، وإنما على قوة الموسيقى وقدرتها على مخاطبة الإنسان أينما كان، مهما اختلفت لغته أو ثقافته.

قرطاج... المكان الذي احتضن الفكرة

وجد هذا اللون الموسيقي في المسرح الأثري بقرطاج فضاءً مثالياً لاحتضانه. فالمكان، بما يحمله من تاريخ ورمزية، منح العرض بعداً إضافياً، حتى بدا وكأن الحجارة العتيقة تشارك في صناعة المشهد، وتمنح الألحان صدىً يتجاوز حدود الزمن.

لقد أكد هذا الموعد أن مهرجان قرطاج لا يقتصر على استضافة نجوم الغناء، بل يظل قادراً على احتضان المشاريع الفنية الكبرى التي تراهن على القيمة والجودة والإبداع.

تصفيق طويل... وذكرى ستبقى

مع إسدال الستار، وقف آلاف الحاضرين يحيّون الفنان بتصفيق طويل، في لحظة اختزلت نجاح سهرة اتسمت بالرقي والهدوء والسمو الفني.

لم يكن التصفيق مجرد تحية لفنان أنهى عرضه، بل كان اعترافاً بتجربة موسيقية مختلفة، أعادت التذكير بأن الفن يستطيع أن يكون مساحة للتأمل والحوار، وأن الموسيقى، عندما ترتقي إلى مستوى الرسالة، تصبح لغة إنسانية جامعة لا تحتاج إلى ترجمة.

لقد كتب سامي يوسف، في أول لقاء له مع جمهور قرطاج، صفحة مضيئة في سجل مشاركاته العالمية، ومنح الدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي إحدى أكثر سهراتها تميزاً وخصوصية، مؤكداً أن الفن الحقيقي لا يُقاس فقط بما يطرب الأذن، بل بما يتركه من أثر في الروح.