لقاءات نقدية تحتفي بتجربة عادل الجريدي، واحتفالية الرواية التونسية تفتح ملفات البيئة والهوية وجماليات السرد بمشاركة نخبة من الكتاب والباحثين
بقلم: أميرة قارشي
في وقت تواجه فيه الحياة الأدبية تحديات متزايدة، مقارنة بالحضور الذي تحظى به مجالات فنية أخرى، على غرار الموسيقى والمسرح، تواصل الرواية التونسية المحافظة على موقعها في المشهد الثقافي الوطني، مستفيدة من المبادرات التي تسعى إلى تنشيط الحراك الأدبي وإعادة الاعتبار للكتاب والنص السردي والنقد.
وفي مقدمة هذه المبادرات، تبرز أنشطة مؤسسة «بيت الرواية»، بإدارة القاص يونس السلطاني، التي تواصل تنظيم لقاءات أدبية وتظاهرات فكرية تحتفي بالتجارب الإبداعية التونسية، وتفتح المجال أمام النقاش حول تحولات الكتابة وأسئلة السرد المعاصر.
عادل الجريدي في «راعي النجوم».. قراءة في عوالم القصة القصيرة جدا
وفي هذا السياق، احتضنت مؤسسة «بيت الرواية»، مساء 29 أكتوبر الجاري، لقاء أدبيًا ضمن سلسلة «راعي النجوم»، خُصّص لتقديم المجموعة القصصية «أشجار تودّع ظلالها» للكاتب التونسي عادل الجريدي، الذي صدرت له أعمال في الشعر والنقد والمقالة والقصة.
وشهد اللقاء حضور عدد من المبدعين والمهتمين بالشأن الأدبي، وتخللته مداخلات نقدية تناولت خصائص التجربة القصصية لدى الكاتب، وطرحت أسئلة تتصل بحدود الأجناس الأدبية وإمكانات التجريب في الكتابة القصيرة.
وقدّم الأستاذ سمير بن علي المسعودي مداخلة بعنوان «القص الوجيز بين الالتزام بالحدود ومحاولة التنافذ الأجناسي»، تناول فيها إشكالية الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية، وما تتيحه الكتابة الوجيزة من إمكانات للتداخل والتفاعل بين أشكال التعبير.
كما قدّمت الأستاذة إسمهان الماجري مداخلة بعنوان «آليات القصة القصيرة جدا عند عادل الجريدي»، ركزت فيها على الخصائص الفنية والتعبيرية لهذا الجنس السردي، وآليات بناء النص القصير جدًا، بما يتيحه من تكثيف للمعنى واختزال للمواقف والصور.
ويأتي هذا اللقاء في إطار توجه المؤسسة إلى مرافقة الإصدارات الأدبية الجديدة وفتحها على القراءة النقدية، بما يعزز التواصل بين الكاتب والقارئ، ويمنح التجارب السردية فرصة أوسع للحوار والتقييم.
قابس تحتفي بالرواية التونسية في دورتها الخامسة
وبالتوازي مع هذه اللقاءات، نظّمت مؤسسة «بيت الرواية» احتفالية الرواية التونسية في دورتها الخامسة، من 23 إلى 25 أكتوبر الجاري، بالمكتبة الجهوية بقابس، تحت شعار «الرواية الخضراء: تحوّلات السرد وأسئلة البيئة»، وذلك تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية وبالشراكة مع مؤسسة تأمينات كومار.
وتندرج هذه التظاهرة ضمن مسار ثقافي سنوي يهدف إلى الاحتفاء بالروائيين التونسيين، وتثمين تجاربهم الإبداعية، وإثراء المدونة السردية الوطنية من خلال مقاربات نقدية وفكرية تواكب تطورات الرواية وأسئلتها الجديدة.
وبعد محطات سابقة في طبرقة والمنستير وتوزر والكاف، اختارت الاحتفالية مدينة قابس لاستضافة دورتها الخامسة، بما تختزنه الجهة من رصيد حضاري وثقافي وخصوصية طبيعية تجمع بين الواحة والبحر والجبال والصحراء، وهي عناصر تمنح موضوع العلاقة بين السرد والبيئة أبعادًا تتجاوز الجانب الجمالي إلى الأسئلة الاجتماعية والفلسفية والإنسانية.
«الرواية الخضراء».. حين تصبح البيئة سؤالًا أدبيًا وفلسفيًا
شكّل مفهوم الرواية الخضراء محورًا رئيسيًا للجلسات الحوارية التي انتظمت خلال الاحتفالية، حيث تناول المشاركون إشكالية تحديد هذا المفهوم، وعلاقته بتشكيل الهوية، وجماليات الكتابة في السرد الأخضر، إلى جانب رهانات الرواية في عالم تتسارع فيه التحولات البيئية والاجتماعية.
وتوزعت المداخلات على محاور متعددة، من بينها الرواية والإيكولوجيا، وأسئلة البيئة في السرد، والانتقال من النقد الريفي إلى النقد البيئي، وإعادة تخيّل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، فضلًا عن أثر التحولات البيئية في وعي الكاتب وفي بناء عوالمه الروائية.
كما تناولت المحاضرات الوعي الإيكولوجي في الرواية التونسية، والرواية بوصفها تجربة فلسفية للأرض، وعلاقة الجذر والانبتات بتشكيل الهوية، إلى جانب جماليات الكتابة في السرد الأخضر، والتمثيلات الإيكولوجية في السرد التونسي.
وطرحت النقاشات كذلك أسئلة تتعلق بمسؤولية الروائي في تمثيل البيئة، ومدى قدرة السرد على تجاوز وصف الطبيعة إلى مساءلة علاقة الإنسان بمحيطه، واستكشاف التحولات التي تمس المكان والذاكرة وأنماط العيش.
وشارك في تقديم المحاضرات والمداخلات عدد من الأساتذة والباحثين والكتاب، من بينهم دليلة شقرون، ومحمد صالح مجيد، وطارق سليمي، ومفيدة الجلاصي، وهيام الفرشيشي، ومنصف الوهايبي، وعفيفة سعودي السميطي، وعبد الرزاق السومري، ومراد الشابي، والأمين السعيدي، وعمر الجملي، وخيرية بوبطان، ورشيدة الشارني، وعثمان لطرش، وعمار الجماعي، وفتحية جلاد، وعبد القادر عليمي، وسفيان رجب، وفتحي بن معمر، وعلي السياري.
وقد عكست هذه المشاركة تنوع المقاربات النقدية والفكرية التي يمكن من خلالها قراءة الرواية الخضراء، باعتبارها مجالًا يلتقي فيه الأدب بالفلسفة والبيئة وعلم الاجتماع، وتُطرح ضمنه أسئلة الهوية والذاكرة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.
روايات تونسية وعربية تحت مجهر النقد البيئي
ولم تقتصر الاحتفالية على الجانب النظري، بل شملت قراءات في نماذج روائية ارتبطت بالبيئة وتمثلاتها في السرد، في محاولة للانتقال من ضبط المفاهيم إلى اختبار حضورها في النصوص الأدبية.
وفي هذا الإطار، تناولت القراءات روايتي «حنّة» و«مدينة الشموس الدافئة» لمحمد الباردي، ورواية «المتورنة» لفوزية الزواري، إلى جانب «خوخة» لإبراهيم العبيدي، و**«النبّاشون»** لسوسن جميل حسن، و**«نواعير الشرّ»** لجميلة الشريف، و**«لعنة الموتى»** للمنوبي زيّود.
وأتاحت هذه القراءات فرصة لاستكشاف كيفية توظيف المكان والطبيعة في بناء العوالم الروائية، والنظر في العلاقة بين البيئة والشخصيات والهوية، فضلًا عن البحث في الدلالات الاجتماعية والثقافية التي تحملها التمثيلات البيئية داخل النصوص.
كما فتحت هذه المقاربات المجال أمام مساءلة قدرة الرواية على التعبير عن التحولات التي يشهدها المحيط الطبيعي، وعن التوترات القائمة بين الإنسان والأرض، وبين الذاكرة والمكان، في سياق تتزايد فيه أهمية القضايا البيئية على المستويين المحلي والعالمي.
«بيت الرواية».. رهان على استمرارية الحراك الأدبي
تؤكد هذه الأنشطة حرص مؤسسة «بيت الرواية» على تنويع أشكال الاحتفاء بالكتابة التونسية، من تقديم المجموعات القصصية والإصدارات الجديدة إلى تنظيم الندوات واللقاءات النقدية والتظاهرات السنوية التي تجمع الروائيين والباحثين والقراء.
وبين لقاء عادل الجريدي واحتفالية الرواية التونسية في قابس، تتعدد فضاءات النقاش، لكن الرهان يظل واحدًا: تثمين التجارب الإبداعية، وإثراء المدونة السردية، ومواكبة التحولات التي تعرفها الكتابة الأدبية في تونس.
وفي ظل التحديات التي تواجه الحياة الأدبية، تبدو هذه المبادرات ضرورية للحفاظ على حضور الكتاب في المشهد الثقافي، وتوفير فضاءات تسمح بتداول النصوص ومناقشتها، بعيدًا عن الاكتفاء بالاحتفاء المناسباتي بالإصدارات.
من «أشجار تودّع ظلالها» إلى «الرواية الخضراء»، تتواصل الأسئلة التي يطرحها السرد التونسي حول الإنسان والمكان والهوية والبيئة. وهي أسئلة تؤكد أن الرواية لا تكتفي بحكاية الواقع، بل تسعى أيضًا إلى تفكيكه وإعادة تخيّله، وفتح نوافذ جديدة لفهم التحولات التي يعيشها المجتمع والعالم.


