في كل عام، تتحول منطقة بحرية شاسعة قبالة السواحل الأرجنتينية إلى مسرح لواحدة من أخطر معارك الاستنزاف البيئي في العالم، حين يجتاحها أسطول صيد صناعي هائل، تهيمن عليه السفن الصينية، داخل ما يُعرف بمنطقة «ميل 201». مشهد الأسطول ليلاً، بأضوائه الكثيفة، يبدو كمدينة عائمة تُرى من الفضاء، لكنه يخفي وراءه أزمة بيئية وإنسانية تتفاقم بصمت.
من داخل غرفة مراقبة في بوينس آيرس، يراقب خفر السواحل الأرجنتيني مئات السفن الأجنبية التي تحتشد على تخوم المنطقة الاقتصادية الخالصة، مستغلة فراغاً قانونياً يحوّل أعالي البحار إلى مساحة بلا سيادة ولا محاسبة. ويؤكد المسؤولون أن هذه السفن تتدفق سنوياً لمدة تصل إلى ستة أشهر، مشكلة ضغطاً هائلاً على الثروة البحرية، خصوصاً مخزون الحبار.
تحقيق لصحيفة الغارديان، مدعوماً بتقارير مؤسسة العدالة البيئية (EJF)، وصف ما يجري بأنه أحد أكبر مصايد الحبار غير المنظمة في العالم، محذّراً من أن استمرار هذا النشاط قد يزعزع استقرار النظام البيئي بأكمله. فالحبار، الذي لا تتجاوز دورة حياته عاماً واحداً، يُصاد بكثافة دون احترام لأي توازن بيولوجي.
ولا تتوقف التداعيات عند هذا الحد. فالصيد الجائر يمتد أثره إلى الحيتان والدلافين والفقمات والطيور البحرية، إضافة إلى أنواع تجارية حيوية مثل التونة وسمك النازلي، ما ينذر بسلسلة اضطرابات بيئية ذات كلفة اجتماعية واقتصادية عالمية.
وبحسب المؤسسة، تشكّل السفن الصينية نحو 75% من أسطول صيد الحبار في المنطقة، مع ارتفاع ساعات الصيد بنسبة 65% بين عامي 2019 و2024، وهي قفزة تُعزى أساساً إلى توسّع النشاط الصيني. الأسوأ أن غياب الرقابة فتح الباب أمام انتهاكات خطيرة، شملت قتل الفقمات بشكل متعمد، وصيد كائنات بحرية كبيرة، إضافة إلى ممارسات قاسية بحق أطقم العمل تصل إلى حد العمل القسري.
وتقرّ السلطات الأرجنتينية بعجزها القانوني عن التدخل خارج مياهها، فيما تلجأ سفن كثيرة إلى إيقاف أنظمة التعريف الآلي، في ظاهرة تُعرف بـ«الاختفاء»، لتفادي الرصد والمساءلة.
القلق لا يقتصر على أمريكا الجنوبية. فالحبار المصطاد في هذه الظروف يشق طريقه إلى أسواق أوروبا وأمريكا الشمالية، ما يجعل المستهلك شريكاً غير مباشر في أزمة بيئية عالمية. وفي ظل هذا الواقع، تتعالى الدعوات لفرض حظر على الواردات المرتبطة بالصيد غير القانوني، وإرساء ميثاق دولي صارم ينظم الصيد في أعالي البحار.
تحذير الخبراء واضح: من دون تحرك دولي عاجل، فإن «مدينة الصيد المضيئة» في جنوب الأطلسي قد تتحول إلى شرارة كارثة بيئية يصعب احتواؤها.
ميناء سوسة يعزّز أسطوله بوصول الجرّار البحري "أوذنة": خطوة جديدة نحو مرافئ أكثر قوّة ونجاعة
روما تحقق في شكاوى ضد إسرائيل بعد هجوم أسطول الصمود في المياه الدولية
اختطاف متطوّع تونسي على متن أسطول الصمود الإسرائيلي يعتدي على سفينة الضمير
قوات الاحتلال تهاجم أسطول الحرية في المياه الدولية وتحتجز ثماني سفن



