بقلم: إيمان مزريقي
تعد المنظومة الصحية من أهم مؤسسات الدولة وأكثرها التصاقا بالحياة اليومية للمواطن لأنها لا تتعامل مع الإنسان في ظروف عادية وإنما تستقبله غالبا في لحظات المرض والألم والخوف والهشاشة ولذلك فإن تقييم أداء القطاع الصحي لا يمكن أن يقوم على مؤشرات البنية التحتية وعدد الأطباء والأسرة والتجهيزات فقط وإنما ينبغي أن يشمل أيضا جودة العلاقة بين مقدم الخدمة الصحية والمنتفع بها ومدى احترام الكرامة الإنسانية والحق في المعلومة وحسن الاستقبال والتواصل.
وفي هذا الإطار يمثل سوء معاملة بعض المرضى وأهاليهم إحدى الإشكاليات التي تستحق دراسة مؤسساتية ومهنية بعيدا عن التعميم أو إصدار الأحكام على كامل القطاع فالمريض قد يواجه في بعض الحالات التجاهل أو الجفاء أو الصراخ أو ضعف التواصل أو غياب التوجيه كما قد تجد عائلته نفسها أمام ساعات طويلة من الانتظار دون معلومات كافية أو أمام أسلوب تعامل يزيد من توترها النفسي في الوقت الذي يفترض فيه أن توفر المؤسسة الصحية بيئة قائمة على الثقة والأمان والاحترام.
ولا يمكن فصل هذه الممارسات عن السياق العام الذي تعمل فيه المؤسسات الصحية فالاكتظاظ ونقص الموارد البشرية وضغط الحالات الاستعجالية وطول ساعات العمل والإرهاق المهني كلها عوامل يمكن أن تؤثر في جودة التواصل غير أن صعوبة ظروف العمل تفسر بعض مظاهر الضغط ولا تجعل المساس بكرامة المريض أو أهله ممارسة مقبولة ومن ثم فإن معالجة الظاهرة تقتضي الجمع بين تحسين ظروف العاملين وتعزيز المسؤولية المهنية والمؤسساتية.
ومن الناحية القانونية شهدت تونس تطورا مهما مع صدور القانون عدد 32 لسنة 2024 المؤرخ في 19 جوان 2024 المتعلق بحقوق المنتفعين بالخدمات الصحية والمسؤولية الطبية الذي عزز الإطار القانوني المنظم للعلاقة بين المنتفع بالخدمة الصحية والمؤسسة الصحية وأكد جملة من الحقوق المرتبطة بالكرامة وحسن الاستقبال والتوجيه والإعلام والتعبير عن الشكايات والمقترحات وبذلك أصبح احترام المريض جزءا من المسؤولية القانونية والمهنية وليس مجرد قاعدة أخلاقية عامة.
كما يكرس الإطار القانوني حق المريض في الحصول على المعلومات المتعلقة بحالته الصحية وبالفحوصات والعلاجات المقترحة ضمن الشروط والضوابط القانونية ويضع في الوقت نفسه حدودا واضحة مرتبطة بالسر الطبي وحماية المعطيات الشخصية ولذلك فإن التعامل مع أهل المريض يتطلب توازنا دقيقا بين حق المريض في الخصوصية وحاجة الأسرة إلى التواصل والتوجيه عندما يسمح القانون بذلك وهو ما يفرض على العاملين في المؤسسات الصحية امتلاك مهارات مهنية في التواصل وليس الاكتفاء بالمعرفة الطبية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى حجم المنظومة الصحية التونسية فقد بلغ عدد مراكز الصحة الأساسية سنة 2024 نحو 2104 مراكز فيما بلغ عدد المستشفيات المحلية 112 والمستشفيات الجهوية 31 والمستشفيات العامة 28 كما بلغ عدد الأطباء نحو 15315 طبيبا وعدد أعوان شبه الطبي أكثر من 55 ألفا وفق البيانات الرسمية للمعهد الوطني للإحصاء ووزارة الصحة وهذا الحجم الكبير من الموارد والمؤسسات يجعل جودة العلاقة مع المواطن مؤشرا أساسيا على كفاءة المرفق الصحي وليس مسألة هامشية.
ومن منظور أخر فإن لجودة الرعاية الصحية مفهوم متعدد الأبعاد ولا يقتصر على النتيجة الطبية للعلاج وإنما يشمل السلامة والفعالية والنجاعة وإتاحة الخدمة والإنصاف وتجربة المريض واحترام حقوقه ولذلك فإن نجاح العملية العلاجية يتطلب بيئة يكون فيها التواصل جزءا من التدخل الصحي نفسه لأن قدرة المريض على فهم حالته والالتزام بالعلاج والثقة في مقدم الخدمة ترتبط بدرجة كبيرة بنوعية العلاقة المهنية التي تجمع الطرفين.
ومن هنا فإن سوء معاملة المريض وأهله يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز الجانب النفسي إلى الجانب الصحي والمؤسساتي إذ قد يؤدي ضعف التواصل إلى سوء فهم التعليمات أو فقدان الثقة أو عدم الالتزام بالعلاج أو الامتناع عن طلب الرعاية مستقبلا كما يمكن أن يؤدي غياب آليات واضحة للشكايات إلى تراكم الشعور بالظلم وتحول الخلافات الفردية إلى أزمة ثقة أوسع بين المواطن والمؤسسة الصحية.
وفي المقابل فإن تحسين العلاقة بين المواطن والعاملين في الصحة يتطلب مقاربة متكاملة تبدأ بتحسين ظروف العمل وتعزيز الموارد البشرية وتطوير التكوين المستمر في أخلاقيات المهنة والتواصل وإدارة النزاعات وتنتهي بإرساء آليات شفافة وفعالة لتلقي الشكايات ومتابعتها وتقييم جودة الخدمات من منظور المنتفعين بها.
كما أن تقييم المؤسسات الصحية ينبغي أن يتجاوز المؤشرات التقليدية المتعلقة بعدد الأسرة والأطباء والتجهيزات ليشمل مؤشرات نوعية مثل مدة الانتظار ورضا المرضى واحترام الخصوصية وجودة التواصل ونسبة الشكايات وطريقة معالجتها وسلامة المرضى ومدى التزام المؤسسات بالمعايير المهنية والقانونية فهذه المؤشرات تسمح بفهم أعمق للفارق بين وجود الخدمة الصحية وجودة تقديمها.
والأهم أن احترام المريض لا ينبغي أن يتحول إلى مطلب ظرفي مرتبط بوجود الرقابة أو الخوف من العقوبة وإنما يجب أن يصبح جزءا من الثقافة المهنية للمؤسسة الصحية فالمهنية الحقيقية لا تتمثل في الكفاءة الطبية وحدها وإنما في الجمع بين المعرفة العلمية والمسؤولية الأخلاقية والالتزام القانوني والقدرة على التواصل الإنساني.
وبناء على ذلك فإن إصلاح المنظومة الصحية في تونس يتطلب الانتقال من مفهوم العلاج باعتباره إجراء طبيا إلى مفهوم الرعاية باعتبارها منظومة متكاملة تحمي الإنسان جسدا وكرامة وحقوقا فالمريض ليس رقما في سجل وأهله ليسوا عبئا على المؤسسة والعامل الصحي ليس خصما للمواطن وإنما جميعهم أطراف في منظومة واحدة يفترض أن يحكمها القانون والثقة والمسؤولية.
وفي المحصلة فإن قوة المنظومة الصحية لا تقاس فقط بقدرتها على علاج المرض وإنما أيضا بقدرتها على حماية الإنسان أثناء رحلة العلاج فالطبيب يعالج والممرض يرعى والإدارة تنظم والقانون يحمي لكن جودة المنظومة تظهر عندما تتكامل هذه العناصر جميعا في خدمة الإنسان.
لذا فإن إصلاح الصحة في تونس لا يكتمل بإصلاح البنية والتجهيزات فقط وإنما يكتمل عندما يصبح احترام المريض وأهله معيارا من معايير جودة الخدمة وعندما تتحول الرحمة والإنصات وحسن التواصل من سلوك فردي إلى ثقافة مؤسساتية راسخة يحميها القانون وتدعمها الإدارة ويترجمها العامل الصحي في الممارسة اليومية.


