أشعل خبير الأمن السيبراني الفرنسي أندريه موجة جدل واسعة في فرنسا، بعد خروجه عن صمته كاشفًا ما اعتبره “ظلمًا قضائيًا” تعرّض له في قطر، مقابل “تخلٍ دبلوماسي” من بلاده، في قضية أعادت فتح ملف أوضاع الأجانب داخل المنظومة القضائية القطرية.
وفي تصريحات لصحيفة Le Monde، أكد أندريه أنه أمضى قرابة عشرين عامًا يعمل في قطر، قبل أن يتحول فجأة من خبير إلى متهم سنة 2023، إثر اتهامه بسرقة بيانات رقمية. غير أنه شدد على أن ما قام به كان بعلم وإذن من مسؤوليه، معتبرًا القضية “سوء تأويل متعمد”.
رحلة المتاعب لم تتوقف عند الاتهام، إذ قضى الرجل 264 يومًا خلف القضبان بين 2023 و2024، قبل أن يصدر في حقه حكم بالسجن لثلاث سنوات، خُفف لاحقًا إلى عام واحد، ليغادر السجن في ديسمبر 2024 مثقلًا بتجربة وصفها بالقاسية، سواء من حيث ظروف الاحتجاز أو الاكتظاظ.
ولم يُخفِ أندريه انتقاده الحاد للقضاء القطري، مشيرًا إلى تجاهل أدلة براءته، لكنه وجّه سهامًا أكثر حدّة نحو بلاده، متهماً السلطات الفرنسية، وعلى رأسها الرئيس Emmanuel Macron، بالتقاعس عن حمايته، مرجعًا ذلك إلى “حسابات المصالح الاقتصادية” بين باريس والدوحة.
القضية لم تكن معزولة، بل أعادت إلى الواجهة سلسلة من الملفات المشابهة. من بينها قضية رجل الأعمال الطيب بن عبد الرحمن، الذي احتُجز لأكثر من 300 يوم قبل الإفراج عنه، ليُفاجأ لاحقًا بحكم غيابي بالإعدام بتهمة التجسس، رغم تأكيده امتلاك وثائق حساسة تتعلق بشبهات فساد مرتبطة برئيس نادي Paris Saint-Germain، Nasser Al-Khelaifi.
وفي تطور لافت، اعتبرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة سنة 2025 أن احتجازه كان تعسفيًا، مطالبة بتعويضه، ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة للسلطات القطرية.
كما يبرز ملف رجل الأعمال جان بيير مارونجيو، الذي قضى نحو سبع سنوات في السجن بسبب نزاع تجاري وشيكات دون رصيد، رغم تأكيده تعرضه لعملية تحيّل من شريكه، في قضية زادها تعقيدًا إضرابه عن الطعام دون دعم فعلي من باريس.
ولا تتوقف المعاناة عند من دخلوا السجن، إذ وجد عدد من الفرنسيين أنفسهم عالقين داخل قطر لسنوات بسبب قرارات منع السفر، من بينهم اللاعب زهير بلوتيس، والمدرب ستيفان موريلو، ورجل الأعمال ناصر العوارتاني، في ظل تعقيدات قانونية مرتبطة بنظام الكفالة والنزاعات المالية.
وتكشف هذه القضايا نمطًا متكررًا، حيث تتحول الخلافات التجارية إلى ملفات جنائية ثقيلة، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات للدبلوماسية الفرنسية، المتهمة بتغليب المصالح الاقتصادية على حساب حماية مواطنيها.
بين رواية “الظلم” وصمت “الحماية”، تبقى الحقيقة معلقة… لكن المؤكد أن هذه القضايا فتحت جرحًا عميقًا في صورة العدالة والعلاقات الدولية.



