أطفال الياسمين في تونس.. حين تتحول الطفولة إلى سلعة والشارع إلى مدرسة

أطفال الياسمين في تونس.. حين تتحول الطفولة إلى سلعة والشارع إلى مدرسة

مشهد أطفال في الثامنة والعاشرة والثانية عشرة وهم يبيعون الياسمين في الشوارع والمقاهي والمطاعم والحانات خلال عطلة الصيف ليس مشهداً عادياً، ولا ينبغي أن يُختزل في صورة «طفل يساعد عائلته». إنه مؤشر اجتماعي خطير يكشف خللاً أعمق: حين يصبح جسد الطفل ووقته وحضوره في الشارع جزءاً من اقتصاد الحاجة، فإن المجتمع لا يعالج الفقر، بل ينقل كلفته إلى الحلقة الأضعف: الطفل.

المشكلة ليست في الياسمين، ولا في البيع، وإنما في سنّ الطفل، وبيئة العمل، وطبيعة الاستغلال، والنتائج التي قد تترتب عن ذلك.

طفل في العاشرة لا يفترض أن يكون مشروعاً اقتصادياً صغيراً. يفترض أن يكون في ملعب، في حديقة، على الشاطئ، في رحلة مع عائلته أو بين أقرانه. أما أن يقضي ساعات في الشوارع المزدحمة يلاحق الزبائن والسيارات، فذلك يعني أن جزءاً من طفولته أصبح رهينة للحاجة أو لطموح الكبار في تحقيق دخل إضافي.

الخطر الحقيقي ليس اليوم.. بل غداً

أخطر ما في الظاهرة أن آثارها لا تظهر بالضرورة فوراً.

الطفل الذي يقضي ساعات طويلة في الشارع يتعلم من الشارع بقدر ما يتعلم من أسرته ومدرسته. يتعرض مبكراً للغة الكبار، وللعنف اللفظي، ولنماذج سلوكية مختلفة، ولغرباء لا يعرفهم، ويصبح أكثر عرضة للحوادث والاستغلال والتحرش وسوء المعاملة.

ومع مرور الوقت قد تتكون لديه علاقة مختلفة مع المدرسة والعمل والمال: المال يصبح أكثر حضوراً من التعليم، والشارع أكثر تأثيراً من الأسرة.

وهنا تكمن بذرة مشكلة أكبر: ليس كل طفل يعمل سيصبح بالضرورة متسرباً أو منحرفاً، لكن مجتمعاً يسمح بتوسع هذه الظاهرة يرفع منسوب الهشاشة لدى جيل كامل.

نحن لا نكافح الفقر عندما نُرسل الطفل إلى الشارع

قد تكون الأسرة فقيرة، وقد تكون في حاجة حقيقية إلى المال. لكن تحويل الطفل إلى مصدر دخل ليس علاجاً للفقر، بل ترحيل للفقر من جيل إلى جيل.

فالطفل الذي يعمل اليوم ليس بالضرورة أن يصبح غداً شخصاً أكثر استقلالية؛ قد يصبح شاباً أقل تعليماً، وأضعف حظاً في سوق العمل، وأكثر عرضة للعمل الهش والاستغلال.

وهكذا تتحول الحاجة المؤقتة إلى مسار اجتماعي دائم.

الفقر الذي يدفع الطفل إلى العمل اليوم قد يصنع فقراً جديداً عندما يكبر الطفل غداً.

الأخطر أن المجتمع بدأ يتعايش مع المشهد

الكارثة تبدأ عندما يصبح غير الطبيعي طبيعياً.

نرى طفلاً يحمل الياسمين فنبتسم، نشتري منه باقة، نعطيه بعض المال ونواصل طريقنا.

لكن قلّة تسأل: لماذا هو هنا؟ منذ متى يعمل؟ من يأخذ المال؟ ومن يحميه؟

هنا تتحول الطفولة إلى مشهد مألوف يفقد قدرته على إثارة الصدمة.

وهذا أخطر من الظاهرة نفسها.

لأن المجتمع الذي يتوقف عن الشعور بالقلق تجاه طفل يعمل في الشارع، يصبح مع الوقت مستعداً لقبول أشكال أخرى من الاستغلال.

من يحمي الطفل عندما يصبح الشارع مكان عمله؟

المسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها.

إذا كان الفقر يدفع عائلة إلى تشغيل طفل، فهناك فشل في منظومة الحماية الاجتماعية. وإذا كان الطفل يُستغل من أشخاص آخرين، فهناك فشل رقابي وأمني. وإذا كان يعمل على حساب تعليمه، فهناك خطر تربوي. وإذا أصبح وجوده في الشارع أمراً عادياً، فهناك خلل مجتمعي.

لذلك فإن مواجهة الظاهرة لا تكون بمطاردة الأطفال من الشوارع، بل بإعادة الأطفال إلى التعليم والحماية، ومعالجة ظروف أسرهم، ومحاسبة كل من يستغل طفولتهم لتحقيق الربح.

لا تنتظروا الكارثة

اليوم هو طفل يبيع الياسمين.

غداً قد يكون مراهقاً ترك المدرسة، وبعده شاباً يعمل في اقتصاد غير منظم، بلا شهادة ولا حماية اجتماعية ولا فرص حقيقية.

هذه ليست نبوءة، لكنها سلسلة مخاطر معروفة تبدأ غالباً من الهشاشة المبكرة.

لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه في تونس ليس: كم باقة ياسمين باع هذا الطفل؟

بل:

كم سنة من طفولته يخسر مقابل تلك الدنانير؟

الياسمين رمز جميل لتونس، لكن لا يجوز أن تتحول رائحته إلى غطاء على مشهد مؤلم: أطفال يُحرقون في محرقة الشارع بينما الكبار يحصدون المال.

فالطفل الذي نحميه اليوم هو مواطن الغد، والطفولة التي نتركها تُستغل اليوم قد تتحول غداً إلى فاتورة اجتماعية ثقيلة يدفعها المجتمع بأكمله.