مرّت سنة كاملة منذ آخر هزيمة للنادي الإفريقي في بطولة الرابطة المحترفة، لكن قيمة هذا الإنجاز لا تختصرها روزنامة الأرقام وحدها. فمنذ سقوط فريق باب الجديد أمام نجم المتلوي يوم 21 سبتمبر 2025، لم ينجح أي منافس في تذوق طعم الانتصار عليه، لتصل السلسلة إلى 29 مباراة متتالية دون هزيمة.
وخلال هذه المسيرة، حصد الإفريقي 20 انتصارًا مقابل 9 تعادلات، وهي حصيلة تكشف أكثر من مجرد عدد النقاط. إنها تعكس قدرة الفريق على المحافظة على توازنه، والتعامل مع مباريات مختلفة في ظروف ومستويات متباينة، دون أن يتحول التعثر إلى انهيار أو أن تتطور مباراة صعبة إلى هزيمة.
من البنزرتي إلى الكنزاري.. السلسلة تتجاوز الأسماء
اللافت في هذه السلسلة أن الإفريقي لم يحافظ عليها مع مدرب واحد فقط، وهو ما يمنحها دلالة إضافية.
فقد قاد فوزي البنزرتي الفريق خلال جزء مهم من هذه المسيرة، وتمكن معه الإفريقي من بلوغ 26 مباراة متتالية دون هزيمة قبل أن يتوج في نهاية الموسم بلقب البطولة.
ومع رحيل البنزرتي وتولي ماهر الكنزاري المسؤولية، لم تنقطع السلسلة، بل واصل الفريق نتائجه الإيجابية، محققًا ثلاثة انتصارات متتالية في مستهل مشواره الحالي، ليتصدر ترتيب البطولة، مع مباراة مؤجلة أمام الملعب التونسي بسبب التزامات الفريق في دوري أبطال إفريقيا.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قراءة المشهد: السلسلة لم تتوقف عند تغيير الجهاز الفني، وهو ما يجعلها أقرب إلى مسار جماعي للنادي منها إلى إنجاز يُنسب إلى اسم مدرب واحد.
من ردّ الفعل إلى الاستقرار
قد تكون سلسلة عدم الهزيمة في كرة القدم وليدة فترة قصيرة من التألق، لكن عندما تمتد إلى عام كامل، فإن السؤال يصبح أعمق: هل تحوّل الاستقرار من ظرف عابر إلى إحدى سمات الفريق؟
ما يميز سلسلة الإفريقي أنها لم تُبنَ على الانتصارات المتتالية فقط. فالتعادلات التسعة كانت جزءًا من المعادلة أيضًا، خصوصًا في المباريات التي لم يكن فيها الفريق في أفضل حالاته.
في سباق طويل مثل البطولة، لا يمكن الفوز بكل مباراة، لكن القدرة على عدم الخسارة في المباريات التي يصعب فيها تحقيق الانتصار قد تكون عنصرًا حاسمًا في المحافظة على الاستمرارية.
ومن هذه الزاوية، تبدو الأرقام أكثر دلالة: 20 فوزًا مقابل 9 تعادلات تعني أن الإفريقي لم يكتفِ بحماية سجله، بل حافظ بالتوازي على قدرته على تحقيق الانتصارات.
لقب البطولة.. أفضل ترجمة للسلسلة السابقة
لم تبقَ سلسلة النتائج الإيجابية السابقة مجرد رقم في سجلات النادي.
فبعد وصول الإفريقي إلى 26 مباراة دون هزيمة تحت قيادة فوزي البنزرتي، اكتمل المسار بالتتويج بلقب البطولة، لتصبح السلسلة جزءًا من الطريق الذي قاد الفريق إلى منصة التتويج.
واليوم، يجد ماهر الكنزاري نفسه أمام وضع مختلف، لكنه يحمل الرقم ذاته تقريبًا: فريق لم يتذوق الهزيمة في البطولة منذ سنة، وبداية جديدة بثلاثة انتصارات متتالية، جعلته في صدارة الترتيب رغم امتلاكه مباراة مؤجلة أمام الملعب التونسي.
وبين المرحلتين، تبدو الرسالة واضحة: الإفريقي لا يبدأ كل مرة من الصفر، بل يبني على رصيد من الاستقرار والنتائج.
29 مباراة.. والاختبار لم يعد فنيًا فقط
كل سلسلة طويلة تخلق ضغطًا من نوع مختلف.
فبعد عدة مباريات دون هزيمة، يصبح الرقم حاضرًا في أذهان اللاعبين والجهاز الفني والجمهور. وكل منافس يدخل مواجهة الإفريقي وهو يعرف أن إنهاء هذه السلسلة يمثل هدفًا إضافيًا.
وهنا تتحول المسألة من اختبار فني إلى اختبار ذهني أيضًا.
المحافظة على سجل خالٍ من الهزائم طوال 12 شهرًا تتطلب التعامل مع الإصابات، والإرهاق، وتغيير المنافسين، واختلاف ظروف المباريات، إضافة إلى القدرة على تجاوز التعثرات دون السماح لها بإحداث أزمة داخل المجموعة.
الإفريقي أمام تحدي جديد
اللافت أن النادي الإفريقي لا يعيش هذه السلسلة في ظروف محلية فقط، بل يواصل في الوقت ذاته مشاركته القارية، وهو ما يرفع حجم التحدي على المجموعة.
فالمباراة المؤجلة أمام الملعب التونسي ليست نتيجة تعثر أو تأجيل عادي، وإنما جاءت بسبب التزامات الفريق في دوري أبطال إفريقيا، بما يعني أن رزنامة الإفريقي أصبحت مزدحمة، وأن المحافظة على الصدارة والسجل الخالي من الهزائم تتطلب إدارة دقيقة للجهد والجاهزية.
وهنا يصبح دور ماهر الكنزاري مختلفًا: ليس فقط مواصلة الانتصارات، وإنما إدارة مجموعة مطالبة بالمنافسة محليًا وقاريًا في آن واحد.
سنة دون هزيمة.. وماذا بعد؟
29 مباراة دون هزيمة، 20 انتصارًا، 9 تعادلات، لقب بطولة، وثلاثة انتصارات متتالية مع بداية مرحلة جديدة.
الأرقام تحكي مسارًا طويلًا بدأ مع فوزي البنزرتي واستمر مع ماهر الكنزاري، رغم تغير الجهاز الفني وتغير طبيعة المنافسات.
لكن السلسلة الطويلة لا تمنح أي ضمان للمستقبل. فكل مباراة جديدة تبدأ من الصفر، وكل منافس يملك فرصة لإنهاء الرقم.
بالنسبة إلى الإفريقي، لم يعد السؤال فقط: إلى متى سيبقى دون هزيمة؟
بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: هل يستطيع فريق باب الجديد تحويل عام كامل من الاستقرار إلى مشروع مستمر، يجمع بين المحافظة على الصدارة، والدفاع عن لقب البطولة، والذهاب بعيدًا في دوري أبطال إفريقيا؟
فالـ29 مباراة التي مرّت دون هزيمة أصبحت تاريخًا، أما المباراة القادمة فهي دائمًا الاختبار الحقيقي.


