الرياضة والثقافة والفن في معركة الهوية الوطنية
لم يكن النادي الإفريقي، منذ تأسيسه في 4 أكتوبر 1920، مجرد فريق لكرة القدم ينافس على الألقاب، بل كان فضاء وطنيا واجتماعيا وثقافيا التقت داخله أسماء من رواد الحركة الوطنية والأدب والموسيقى والمسرح. ففي زمن الاستعمار الفرنسي، لم تكن الرياضة والثقافة مجالين منفصلين عن الواقع السياسي، بل تحوّلتا إلى وسيلتين للتعبير عن الهوية التونسية وإثبات قدرة التونسيين على بناء مؤسساتهم وتسييرها بأنفسهم.
وتكمن خصوصية تجربة النادي الإفريقي في أن أثره لم يتوقف عند حدود الملاعب، بل امتد إلى الحياة الثقافية، من خلال مساهمة عدد من مؤسسيه ورجالاته في بعث جمعية الراشيدية، وفي تطوير الحركة المسرحية التي أفضت لاحقا إلى تأسيس فرقة مدينة تونس للتمثيل.
الراشيدية.. حين ساهم رجالات الإفريقي في حماية الموسيقى التونسية
تأسست الراشيدية سنة 1934، في مرحلة برزت فيها الحاجة إلى صيانة التراث الموسيقي التونسي وإحياء المالوف والمحافظة على خصوصية الأغنية المحلية. وقد جمعت الجمعية نخبة من المثقفين والفنانين الذين آمنوا بأن حماية الموسيقى التونسية جزء من حماية الذاكرة والهوية الوطنيتين.
وكان للنادي الإفريقي حضور مهم في هذا المشروع الثقافي، إذ تشير دراسة تاريخية نشرها موقع «الكتيبة» إلى أن 14 عضوا من النادي كانوا ضمن تركيبة الهيئة التأسيسية للراشيدية. ومن الأسماء التي ارتبطت بهذه التجربة أحمد الضحاك وجمال الدين بوسنينة وحسان النويصري وبلحسن بن الشاذلي، وهي شخصيات جمعت بين النشاط الجمعياتي والاهتمام بالشأن الثقافي والوطني.
ويبرز كذلك اسم مصطفى صفر، الذي ارتبط بالنادي الإفريقي وترأس الراشيدية، بما يعكس تداخل النخب الرياضية والثقافية في تونس خلال تلك الفترة. ولم يكن هذا التقاطع مجرد مصادفة، بل كان تعبيرا عن بيئة اجتماعية آمنت بأن بناء الشخصية الوطنية يحتاج إلى الرياضة والفن والتعليم والعمل المدني معا.
وهكذا، ساهم رجال من محيط الإفريقي في مشروع ثقافي تجاوز حدود الجمعية الموسيقية، ليصبح إحدى المحطات الأساسية في تاريخ الموسيقى التونسية، بفضل دوره في حفظ المالوف وإحياء الموروث الغنائي.
عبد العزيز العقربي.. رجل الإفريقي الذي ترك بصمته في المسرح
في المجال المسرحي، يبرز اسم محمد عبد العزيز العقربي، أحد مؤسسي النادي الإفريقي وأحد أبرز رواد المسرح التونسي. وتذكر المصادر التاريخية المتعلقة بالنادي أنه ساهم في تأسيس فرق مسرحية، وكان أول رئيس لفرقة مدينة تونس المسرحية.
وقد تأسست فرقة مدينة تونس للمسرح رسميا بمقتضى قرار بلدي مؤرخ في 25 جانفي 1955، بعد اجتماعات ومشاورات شارك فيها مثقفون ومسرحيون وناشطون جمعياتيون خلال أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات. وأصبحت الفرقة لاحقا إحدى المؤسسات البارزة في تاريخ المسرح التونسي، وتعاقب على إدارتها عدد من كبار المبدعين، من بينهم علي بن عياد وعبد المجيد لخضر ومنى نور الدين.
ولا تكمن أهمية هذه العلاقة في الانتماء الرياضي للعقربي وحده، بل في ما يمثله من نموذج للمثقف الذي جمع بين العمل الجمعياتي والإبداع الفني. فقد ساهمت شخصيات من الجيل المؤسس للنادي في إثراء المسرح والشعر والموسيقى، ما جعل محيط الإفريقي أحد الفضاءات التي تفاعلت فيها الرياضة مع المشاريع الثقافية الوطنية.
ومن الشواهد التي توضح هذا التداخل، رحلة النادي إلى قسنطينة سنة 1936، التي ضمّت لاعبين ورياضيين ومسرحيين وموسيقيين، وقدّم المشاركون خلالها مسرحية في اليوم الأول، ثم خاضوا مباراة كرة قدم في اليوم الثاني، أعقبتها سهرة غنائية. وهي صورة تاريخية تختزل تعدد اهتمامات النادي في تلك المرحلة.
والمسرح الوطني التونسي.. ضرورة التمييز بين المؤسسات
عند الحديث عن علاقة النادي الإفريقي بالمسرح، من المهم التمييز بين فرقة مدينة تونس للمسرح والمسرح الوطني التونسي، فهما مؤسستان مختلفتان من حيث التأسيس والمسار التاريخي.
وتؤكد المعطيات المتاحة صلة عدد من مؤسسي النادي ورواده بالحركة المسرحية وبفرقة مدينة تونس للتمثيل، ولا سيما من خلال شخصية عبد العزيز العقربي. لكن نسبة تأسيس المسرح الوطني التونسي مباشرة إلى النادي الإفريقي تتطلب وثائق تاريخية إضافية تثبت هذه العلاقة تحديدا، حتى لا يقع الخلط بين المساهمة في تأسيس الحركة المسرحية وبين تأسيس مؤسسة بعينها.
ومع ذلك، فإن حضور رجال الإفريقي في الحياة المسرحية التونسية يظل جزءا من تاريخ ثقافي أوسع، أسهم في إرساء تقاليد فنية وطنية وتكوين أجيال من المبدعين.
النادي الإفريقي ومقاومة الاستعمار.. الهوية قبل النتائج
منذ نشأته، ارتبط النادي الإفريقي بمعركة إثبات الهوية التونسية في مواجهة الاستعمار الفرنسي. وتروي مصادر تاريخية أن مسار تأسيسه واجه صعوبات بسبب التسمية والألوان وهوية الهيئة المديرة، قبل أن يحصل على الترخيص الرسمي في أكتوبر 1920 برئاسة تونسية وبالأحمر والأبيض، لوني العلم التونسي.
ولم يكن هذا الاختيار شكليا؛ فقد مثّل النادي نموذجا لجمعية تونسية تسعى إلى إدارة شؤونها بعيدا عن الوصاية الاستعمارية، وأصبح نجاحه الرياضي مصدر اعتزاز لدى فئات واسعة من التونسيين، في وقت كانت فيه المنافسة مع الفرق الفرنسية تحمل أبعادا تتجاوز اللعبة نفسها.
وتشير دراسة حول تاريخ النادي إلى أنه وضع الشارة الوطنية على قميصه بين 1946 و1956، كما كان من أوائل الموقّعين على عريضة طالبت السلطات الفرنسية بإطلاق سراح المعتقلين التونسيين. وارتبط اسمه أيضا بالتحركات المنددة بأحداث 18 جانفي 1952، وبمقاطعة بطولة موسم 1952-1953 في سياق الاحتجاج على القمع الاستعماري.
وتكشف هذه المواقف عن دور اجتماعي وسياسي تجاوز حدود النشاط الرياضي، إذ أصبح النادي فضاء لتأطير الشباب والتعبير عن الانتماء الوطني، فيما ساهم رجالاته في مجالات ثقافية وفنية موازية، من الموسيقى والمسرح إلى الصحافة والعمل الجمعياتي.
من باب الجديد إلى الذاكرة الوطنية
إن العلاقة بين النادي الإفريقي والراشيدية والمسرح ليست مجرد مجموعة من المصادفات التاريخية، بل تعكس تداخل مسارات جيل من التونسيين الذين جمعوا بين الرياضة والثقافة والعمل الوطني. فقد ساهم رجال من محيط النادي في تأسيس الراشيدية، وبرزوا في الحركة المسرحية، كما اتخذ النادي مواقف ذات دلالات وطنية في مواجهة الاستعمار.
ومن جمال الدين بوسنينة وأحمد الضحاك وحسان النويصري ومصطفى صفر، إلى عبد العزيز العقربي وعبد الرزاق كرباكة وأحمد خير الدين، تتجلى صورة جيل لم يحصر نشاطه في مجال واحد، بل ساهم في بناء مؤسسات وفضاءات كان لها أثر في تشكيل الذاكرة التونسية.
لقد قاوم النادي الإفريقي الاستعمار بالهوية والتنظيم والرياضة، وامتد أثر رجالاته إلى الموسيقى والمسرح؛ لذلك فإن تاريخ «الأحمر والأبيض» لا يُختزل في البطولات والكؤوس، بل يشمل أيضا مساهمته في الحياة الثقافية والوطنية لتونس.
وتبقى هذه الصفحة جديرة بمزيد من البحث في الأرشيفات والوثائق والشهادات، من أجل توثيق الأسماء والأدوار بدقة، وإنصاف رجال ساهموا في بناء النادي وفي إثراء المشهد الثقافي التونسي خلال مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد.


