يشقّ كتاب “التراث الثقافي في زمن العولمة: بين السلطة، الاعتراف، والتنوع الرمزي” للدكتور منذر عافي طريقه إلى واجهة الإصدارات الفكرية، مقدّمًا قراءة نقديّة عميقة في تمظهرات التراث الثقافي اللامادي، ومقاربًا إياه كقوة فاعلة في زمن التحولات الكبرى.
هذا الإصدار الجديد، الذي يعزّز المكتبة العربية، لا يكتفي باستحضار التراث كذاكرة جامدة، بل يعيد تقديمه بوصفه محرّكًا أساسيًا للتنمية وإنتاج المعنى، قادرًا على التفاعل مع تحديات العولمة ضمن نسق اجتماعي متحوّل، يرفض الانغلاق ويتجاوز التفكك الحداثي.
وفي طرحه النظري، يتوقف المؤلف عند حدود بعض المقاربات الكلاسيكية، منتقدًا اختزال بيير بورديو للثقافة والتراث في مفهوم “الرأسمال الرمزي”، ليطرح بديلًا يعتبر التراث اللامادي موردًا للكرامة وقوة مقاومة للهيمنة. كما يناقش أطروحات باربرا كيرشنبلات-جيمبلت التي ترى التراث “إنتاجًا ميتا-ثقافيًا”، ليؤكد أن إعادة إنتاجه لا تتم فقط عبر الوعي الثقافي، بل أيضًا من خلال تفاعل مؤسسات متعددة، من الدولة إلى المنظمات والمتاحف.
ويدعو الكتاب بوضوح إلى تجاوز النظرة الاختزالية التي تحوّل التراث إلى سلعة، مشددًا على ضرورة التعامل معه كعنصر حيّ يُسهم في بناء الهوية الفردية والجماعية، ويُعزز حضور المجتمعات في العالم.
من زاوية تحليلية متعددة، تجمع بين الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والمقاربة السياسية، يقدّم المؤلف قراءة مركبة للعلاقات بين الدولة والجماعات المحلية والمنظمات الدولية، في سياق عالمي تتداخل فيه رهانات السلطة والاعتراف.
رهان هذا العمل، كما يؤكد مؤلفه، هو صياغة رؤية استراتيجية جديدة تجعل من التراث الثقافي اللامادي أداة للإنتاج والتمكين، لا وسيلة للانغلاق أو إعادة إنتاج الهيمنة، بل رافعة حقيقية لصناعة الهوية في عالم متغيّر.



