بين حقّ البدايات وعرق الاستمرارية… الإنصاف كلّ الإنصاف لميساء باديس

بين حقّ البدايات وعرق الاستمرارية… الإنصاف كلّ الإنصاف لميساء باديس

بقلم: عزيز بن جميع

في عالم الإعلام، لا تُقاس قيمة التجربة المهنية بمجرد أسبقية تاريخية أو عنوان قديم في الأرشيف، بل بما يقدّمه صاحبه من جهد متواصل، وما يضيفه إلى الفكرة من روح وهوية، وما ينجح في ترسيخه لدى الجمهور مع مرور السنوات. فالأسبقية قد تمنح صاحبها حقّ الاعتزاز بالبدايات، لكن الاستمرارية هي التي تصنع الحضور وتمنح التجربة معناها الحقيقي.

ومن هذا المنطلق، يبرز اسم الزميلة الإعلامية ميساء باديس التي اشتغلت لسنوات على تطوير تجربتها الإعلامية، ونجحت في ترسيخ عناوين من قبيل «على كيفي» و«ضيفنا على كيفنا»، حتى أصبحت هذه الصيغة جزءاً من صورتها المهنية ومن الذاكرة الإعلامية لجمهورها.

قد يكون للزميل أشرف الكعلي ارتباط سابق بعنوان «على كيفك»، وهو معطى لا ينبغي تجاهله عند الحديث عن البدايات والحقوق المعنوية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتجاوز مجرّد الأسبقية: من منح الفكرة استمراريتها؟ ومن اشتغل على تطويرها حتى تحوّلت إلى تجربة يعرفها الجمهور ويربطها باسم صاحبها؟

هنا تحديداً تبرز تجربة ميساء باديس؛ فقد ارتبط حضورها بالعمل المتواصل، وبالمواظبة على تقديم محتوى حافظ على صلته بالمتابعين، حتى باتت العناوين التي اشتغلت عليها جزءاً من هويتها الإعلامية. وهذا التراكم لا يمكن اختزاله في تشابه عنوان أو العودة إلى صيغة قديمة، لأن الجمهور لا يتعامل مع الكلمات وحدها، بل مع التجربة التي تقف وراءها، والوجه الذي يمنحها الحياة، والمضمون الذي يجعلها قابلة للاستمرار.

إنصاف ميساء لا يعني إلغاء حقّ البدايات، بل الاعتراف بحقّ الاستمرارية أيضاً. فالأسبقية التاريخية، إن ثبتت، تظلّ عنصراً من عناصر النقاش، لكنها لا تختصر وحدها مساراً مهنياً كاملاً، ولا تمحو سنوات من العمل والاجتهاد. وفي المقابل، فإن استعادة عنوان سابق تطرح أسئلة مشروعة حول الحقوق المعنوية، والهوية الإعلامية، وحدود التداخل بين التجارب المتعاقبة.

والجمهور، في نهاية المطاف، لا يحتكم إلى الوثائق وحدها، بل إلى ما شاهده وتابعه وتفاعل معه. فهو يعرف تجربة ميساء وبرامجها من خلال حضورها المتواصل، فيما يرتبط اسم أشرف الكعلي، لدى بعض المتابعين، بإيقاعاته العالمية وتجربته الخاصة. ولكلّ إعلامي مساره وبصمته، لكن من الضروري ألّا يُختزل جهد أيّ طرف أو يُمحى تاريخه عند تقييم تجربة الآخر.

إنّ المسألة ليست معركة لإقصاء زميل أو مصادرة حقّه، بل دعوة إلى مقاربة منصفة تحفظ لكلّ تجربة مكانها، وتمنح العمل المتواصل قيمته التي يستحقها. ففي الإعلام، قد تكون البداية لحظة تأسيس، لكن الاستمرارية هي امتحان الفكرة الحقيقي؛ إذ لا يكفي أن تحمل عنواناً، بل ينبغي أن تمنحه مضموناً وحضوراً وذاكرة لدى الجمهور.

كلّ التقدير لميساء باديس، ولحقّها في أن يُعترف بجهدها ومسيرتها، مثلما يستحقّ كلّ صاحب تجربة أن يُنصف في ما قدّمه فعلاً. فالأصالة لا تُقاس بمن يملك الاسم وحده، ولا بمن يعود إليه بعد غياب، بل أيضاً بمن حافظ على الفكرة، وطوّرها، ومنحها من وقته وجهده حتى أصبحت جزءاً من حضوره المهني.

بقلم: عزيز بن جميع