من الضيعة إلى موائد العالم.. «سياحة زيت الزيتون» سلاح تونس الجديد لغزو الأسواق العالمية!

من الضيعة إلى موائد العالم.. «سياحة زيت الزيتون» سلاح تونس الجديد لغزو الأسواق العالمية!

لم يعد زيت الزيتون التونسي مجرّد منتوج فلاحي موجّه للتصدير، بل أصبح مرشّحًا ليكون ركيزة لتجربة سياحية واقتصادية متكاملة، تجمع بين اكتشاف أسرار الشجرة المباركة، وتذوّق الزيت في موطن إنتاجه، وفتح آفاق جديدة لترويجه في الأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، اعتبر الفلاح التونسي ماهر بن إسماعيل، المتوّج بالميدالية الذهبية ضمن مسابقة «ديدو العالمية 2026» لزيت الزيتون، أن سياحة زيت الزيتون تمثّل رافدًا واعدًا للتعريف بالمنتوج التونسي وتثمينه وتعزيز صادراته، لما تتيحه من تواصل مباشر بين المنتج والمستهلك الأجنبي.

وأوضح بن إسماعيل، في تصريح إذاعي، أن هذا النمط السياحي يقوم على استقبال الزوار والسياح الأجانب داخل الضيعات الفلاحية التونسية، وتنظيم جلسات تذوّق تتيح لهم اكتشاف خصائص زيت الزيتون، والتعرّف على مراحل إنتاجه، في أجواء تجمع بين الطبيعة والتجربة الحسية والثقافة الغذائية.

ولا تتوقف الفكرة عند التذوّق، بل تمتد إلى تمكين الزائر من اقتناء الزيت مباشرة من المنتج داخل الضيعة أو الوحدة الفلاحية، بما يختصر حلقات الوساطة ويفتح المجال أمام تسويق المنتوج بأسعار أقرب إلى قيمة التصدير، وفق ما أوضحه بن إسماعيل.

من صابة الزيتون إلى تجربة سياحية متكاملة

تمنح سياحة زيت الزيتون تونس فرصة لتجاوز نموذج التصدير التقليدي، القائم في جزء منه على بيع الزيت بكميات كبيرة، نحو نموذج يراهن على جودة المنتوج وقيمته المضافة وهويته المحلية.

فالزائر الأجنبي الذي يتذوّق الزيت داخل الضيعة، ويتعرّف على طرق جنيه وعصره وتخزينه، يمكن أن يتحوّل إلى سفير للمنتوج التونسي في بلده، كما يمكن أن يصبح حريفًا دائمًا للمنتج الذي اكتشفه خلال رحلته.

ويتيح هذا التوجه كذلك تنويع مداخيل الفلاحين، من خلال الجمع بين بيع الزيت وتقديم خدمات سياحية مرتبطة بالضيعات، مع إمكانية إدماج تجارب أخرى، مثل التعرّف على العادات الريفية والمطبخ المحلي والصناعات التقليدية.

غير أن نجاح هذا النموذج يظل مرتبطًا بتطوير البنية الأساسية للضيعات، وتحسين خدمات الاستقبال والتذوّق، وضمان جودة المنتوج وتتبّع مصدره، إلى جانب وضع مسارات سياحية واضحة تربط مناطق الإنتاج بالوجهات السياحية المعروفة.

الزيت التونسي.. الجودة قبل كل شيء

وشدّد بن إسماعيل على الخصائص الحسية والغذائية التي يتميز بها زيت الزيتون التونسي، مشيرًا إلى أهمية مادة البوليفينول، المعروفة بخصائصها المضادة للأكسدة، في تعزيز القيمة الغذائية للزيت.

وتختلف تركيبة البوليفينول من زيت إلى آخر بحسب الصنف ودرجة النضج وظروف الجني والعصر والتخزين. ويُعدّ صنف «الشتوي» من الأصناف التونسية التي تحظى باهتمام المنتجين والمستهلكين، غير أن تحديد مستويات هذه المركبات يتطلب تحاليل مخبرية لكل منتوج.

وفي هذا الإطار، ينبغي التمييز بين القيمة الغذائية لزيت الزيتون وبين الادعاءات العلاجية؛ فالخصائص المضادة للأكسدة لا تعني أن الزيت دواء لعلاج السرطان أو غيره من الأمراض، كما أن الحديث عن تصنيفه غذاءً وظيفيًا في بعض الأسواق لا يعني بالضرورة معاملته قانونيًا معاملة الأدوية.

وتبقى جودة الزيت، وشفافية المعلومات المتعلقة بمصدره وتركيبته، من أهم العناصر التي يمكن أن تدعم ثقة المستهلك الأجنبي وتمنح المنتوج التونسي قدرة أكبر على المنافسة.

30 ميدالية في «ديدو العالمية 2026»

ويأتي هذا التوجه في وقت يواصل فيه زيت الزيتون التونسي تعزيز حضوره في المسابقات الدولية، إذ حصد 30 ميدالية خلال النسخة الخامسة من المسابقة الدولية لزيت الزيتون البيولوجي «ديدو العالمية» (DIDO International)، التي انتظمت بالعاصمة تونس يوم 28 أكتوبر 2026، بالتزامن مع انطلاق الصالون الدولي للاستثمار الفلاحي.

ويعكس هذا التتويج أهمية الجودة في التموقع داخل الأسواق الخارجية، كما يسلّط الضوء على إمكانات المنتجين التونسيين في تطوير زيوت ذات خصائص حسية متميزة تستجيب لتطلعات المستهلكين.

لكن الرهان الحقيقي لا يتوقف عند حصد الميداليات؛ بل يتمثل في تحويل هذه الجوائز إلى فرص تجارية مستدامة، من خلال تطوير العلامات التجارية التونسية، وتحسين أساليب التعبئة والترويج، وتعزيز حضور الزيت المعلّب ذي القيمة المضافة في الأسواق العالمية.

هل تتحول الضيعات التونسية إلى وجهات سياحية؟

تفتح سياحة زيت الزيتون آفاقًا جديدة أمام الفلاحة التونسية، خصوصًا في المناطق التي تمتلك مخزونًا مهمًا من أشجار الزيتون وتجارب متوارثة في الإنتاج والعصر.

فبدل أن يقتصر دور الضيعة على إنتاج الزيت وبيعه، يمكن أن تتحول إلى فضاء يستقبل الزوار ويعرّفهم بتاريخ الشجرة وخصوصيات الأصناف المحلية وطرق التذوّق، بما يربط السياحة بالاقتصاد الفلاحي ويمنح المنتج فرصة لتقديم قصته بنفسه.

وبين الجودة التي تتيحها المسابقات الدولية، والتجربة المباشرة التي توفرها الضيعات، تبدو سياحة زيت الزيتون خيارًا يستحق الاستثمار والتطوير، شرط توفير التنظيم والتأطير والترويج اللازمين.

فهل تنجح تونس في تحويل زيتونها من ثروة فلاحية تُصدَّر إلى تجربة سياحية متكاملة تجذب الزوار وتفتح أبواب الأسواق العالمية؟ الإجابة ستتوقف على قدرة المنتجين والمهنيين والجهات المعنية على تحويل الفكرة إلى مشاريع ملموسة، تجعل من زيت الزيتون التونسي عنوانًا للجودة، ووجهةً للسياحة، وقيمةً مضافة للاقتصاد الوطني.