بقلم: عزيز بن جميع
من قامات معهد الصحافة وعلوم الإخبار بمنوبة، يواصل الدكتور الناصر المكني ترسيخ حضوره كأحد أبرز العقول التي أسهمت في صياغة ملامح الفكر الإعلامي المعاصر في تونس. فلا يمكن الحديث عن تكوين أجيال من الصحفيين دون التوقف عند اسمه، أستاذًا وباحثًا ومؤصّلًا لفلسفة إعلامية تقوم على الحرية والمسؤولية معًا.
اليوم، يضيف الدكتور المكني لبنة جديدة إلى مسيرته الأكاديمية بإصدارين حديثين ضمن سلسلة “أسس تطوير الإعلام في تونس”، مؤكّدًا مرة أخرى قدرته على الجمع بين صرامة القانون، وأخلاقيات المهنة، وعمق الرؤية الفلسفية.
“في حرية الصحافة”… الدفاع عن جوهر الحق
في كتابه الأول، “في حرية الصحافة”، لا يكتفي المؤلف بسرد النصوص القانونية، بل يتجاوزها إلى مساءلة الأسس التي تقوم عليها حرية التعبير. يتناول الحق في النفاذ إلى المعلومة، حماية المصادر، وحدود المسؤولية، وصولًا إلى مطلب محوري يتمثل في عدم تجريم العمل الصحفي.
هنا يبرز المكني الحقوقي، الذي ينظر إلى الحرية باعتبارها قيمة تأسيسية للدولة الديمقراطية، لا مجرد شعار سياسي. فهو يعيد وضع حرية الصحافة في سياقها الفلسفي والدستوري، باعتبارها شرطًا لوجود فضاء عمومي حيّ ومتوازن.
“في تعديل الإعلام”… من الرقابة إلى الفلسفة التعديلية
أما في كتابه الثاني، “في تعديل الإعلام”، فيخوض المؤلف منطقة دقيقة تتصل بإعادة بناء المنظومة الإعلامية بعد التجارب التسلطية. لا يتوقف عند مفهوم “الرقابة”، بل يطرح رؤية أعمق تتعلق بفلسفة التعديل، أي تنظيم الفضاء الإعلامي بما يضمن الاستقلالية والتعددية دون وصاية.
يحلل الدكتور المكني الإطار التشريعي بدقة، ويقترح تصورًا لإعلام حديث قادر على صناعة رأي عام حر ومسؤول، في توازن دقيق بين الحرية والتنظيم.
بين الأكاديمي والقانوني والفيلسوف
ما يمنح هذا النتاج الفكري خصوصيته هو تلك القدرة اللافتة على المزاوجة بين ثلاثة عوالم:
- الأكاديمي الذي يلامس نبض الميدان وإكراهات المهنة،
- القانوني الذي يفكك النصوص ويشخّص مكامن الخلل،
- والفيلسوف الذي ينظر إلى الإعلام كفضاء للتحرر وبناء الوعي.
هذه المؤلفات لا تُقرأ كإصدارات نظرية فحسب، بل كخارطة طريق لكل مشروع إصلاح إعلامي جاد. ومن خلال هذا الجهد، يثبت الدكتور الناصر المكني أنه ما يزال أحد حرّاس الكلمة، يعمل بهدوء الباحث وصلابة المفكر، واضعًا الحرية في قلب أي تصور لمستقبل الإعلام في تونس.
عزيز بن جميع





