في 18 أفريل من كل سنة، تحتفي تونس بعيد قوات الأمن الوطني، مناسبة تُرفع فيها الشعارات وتُستحضر فيها تضحيات رجال ونساء نذروا أنفسهم لحماية الدولة والمجتمع. لكن خلف هذا المشهد الاحتفالي، تختبئ قصص أخرى أقل بريقًا… قصص رجال وجدوا أنفسهم ضحايا داخل المنظومة التي خدموها.
في قلب هذه المفارقة، تبرز قضية لطفي القلمامي، لا كملف إداري عالق فحسب، بل كحكاية طويلة من التعطيل والانتظار، امتدت لأكثر من عقد، رغم صدور أحكام قضائية واضحة لصالحه.
من “إصلاح” إلى تصفية حسابات
تعود فصول القضية إلى سنة 2011، في خضم ما سُمّي حينها بإعادة هيكلة وزارة الداخلية، حيث تمّت إحالة عشرات الإطارات الأمنية على التقاعد الوجوبي، بقرار من وزير الداخلية الأسبق فرحات الراجحي.
غير أن ما قُدّم كخطوة إصلاحية، تحوّل—وفق روايات متقاطعة—إلى ساحة لتصفية حسابات، سقط فيها القلمامي ضحية خطأ إداري قاتل، أنهى مسيرته المهنية دون وجه حق.
القضاء قال كلمته… فمن يعطّل التنفيذ؟
في سنة 2013، أصدرت المحكمة الإدارية حكمًا نهائيًا يقضي بإلغاء قرار إحالته على التقاعد، مع تمكينه من العودة إلى عمله واسترجاع حقوقه.
حكم واضح، باتّ، وواجب التنفيذ… لكنّه بقي حبرًا على ورق.
على مدى سنوات، ظلّ هذا القرار معطّلًا، في مفارقة تطرح أسئلة ثقيلة: كيف يمكن لدولة تتحدث عن سيادة القانون أن تتجاهل أحكام قضائها؟ ومن يتحمّل مسؤولية هذا التعطيل؟
اعتراف بلا أثر
المفارقة الأشد إيلامًا، أن الملف لم يُقابل بالإنكار، بل على العكس، شهد اعترافًا ضمنيًا من مسؤولين داخل الدولة بوجود مظلمة.
حتى أن وزير الداخلية الأسبق توفيق شرف الدين أقرّ خلال لقاء جمعه بالقلمامي بضرورة تنفيذ الحكم.
لكن الاعتراف لم يتحوّل إلى قرار… وبقي الملف عالقًا بين نوايا معلنة وإجراءات غائبة.
عندما تصبح العدالة انتقائية
قضية القلمامي لا تتعلق بشخص فقط، بل تمسّ جوهر الدولة نفسها.
فهي تطرح إشكالًا خطيرًا: هل تُطبّق القوانين على الجميع؟ أم أن تنفيذها يخضع لميزان المصالح؟
في الأنظمة الحديثة، يُعتبر تنفيذ الأحكام القضائية حجر الزاوية في بناء الثقة بين المواطن والدولة. لكن حين يتعطّل التنفيذ، تتحول العدالة إلى مفهوم نظري، وتفقد المؤسسات جزءًا من مصداقيتها.
رسالة داخل المؤسسة
الأخطر في هذا الملف، أن المعني ليس مواطنًا عاديًا، بل إطار أمني خدم الدولة لسنوات.
وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية:
إذا كان رجل الأمن نفسه قد يُظلم داخل المنظومة، فمن يحمي من يحمي الدولة؟
عيد أم مراجعة؟
في عيد قوات الأمن، لا يكفي تعليق الأوسمة وترديد عبارات الامتنان.
الاعتراف الحقيقي يمرّ عبر إنصاف من طالتهم المظالم، وتنفيذ أحكام القضاء دون تأخير أو انتقائية.
قضية لطفي القلمامي ليست مجرد ملف قديم… بل اختبار حيّ لمدى التزام الدولة بشعاراتها.
وبين حكم قضائي ينتظر التنفيذ، واعتراف رسمي لم يترجم إلى فعل، يبقى السؤال معلقًا:
هل تنتصر العدالة يومًا… أم تبقى رهينة الأدراج؟



