تحت قبة المسرح البلدي بالعاصمة، حيث تختزن الجدران ذاكرة الفن، لم يكن عرض "عشرة سنوات من الزواج" مجرد أمسية مسرحية، بل كان انفجارًا شعوريًا أعاد الحياة إلى الركح، وحرّك شارع الحبيب بورقيبة على إيقاع الضحك الممزوج بالوجع. عمل مستلهم من نص فرنسي، لكنه وُلد من جديد بملامح تونسية صادقة، تُخفي في طياتها الكثير من الألم والسخرية.
🌹 نجلاء بن عبد الله… حين تتحوّل الممثلة إلى حالة
على الركح، لم تؤدِّ نجلاء بن عبد الله دور "ليلى" فقط، بل عاشت تفاصيلها حدّ الذوبان.
كانت حضورًا متفجّرًا، طاقة لا تهدأ، تتنقّل بين براءة الطفولة وتمرّد الأنثى، بين النرجسية والعشق، لتصوغ شخصية مركبة تختزل المرأة في أبعادها الأكثر تعقيدًا.
أداؤها لم يكن تمثيلًا بقدر ما كان انكشافًا… كأنها قصيدة حيّة تمشي فوق الخشبة، تُعيد الاعتبار للكوميديا السوداء، وتثبت أن المسرح مازال قادرًا على خلق الدهشة.
🗿 محمد الداهش… رجولة تتصدّع من الداخل
في المقابل، قدّم محمد الداهش شخصية "قيس" بعمق لافت، مجسّدًا الرجل التونسي في صراعه الأبدي بين القوة والانكسار.
بجسد متماسك وأداء محسوب، تنقّل بين لحظات الهيمنة والانهيار، كاشفًا عن هشاشة داخلية تختبئ خلف قناع الرجولة.
كان حضوره أشبه بصخرة تخفي في عمقها شقوقًا لا تُرى… لكنها تُوجع.
✍️ نصّ يولد من رحم الواقع… وإخراج بلمسة مايسترو
لم يكن النص مجرد اقتباس، بل إعادة خلق كاملة، حيث صيغت الحوارات بلغة تنبض بتفاصيل الحياة التونسية، وتلامس قضاياها اليومية دون ابتذال.
أما الإخراج، فقد حمل توقيع سناء بن طالب، التي أدارت هذا العمل بحسّ فني رفيع، معتمدة على كوميديا الموقف بدل النكت السطحية، لتصنع توازنًا دقيقًا بين الضحك والتأمل.
الجرأة في الطرح لم تكن صادمة لذاتها، بل كانت أداة لكشف المسكوت عنه، في إطار فني يحترم ذكاء المتلقي.
🕊️ حين ينتصر الحب على الزمن
في المشهد الأخير، تتجاوز المسرحية حدود الكوميديا، لتغوص في عمق التراجيديا الإنسانية.
نرى الزمن وهو يمرّ على "قيس" و"ليلى"، يبهت الجمال، وتتلاشى المغريات، لكن يبقى شيء واحد يقاوم الفناء:
الحب… حين يتحوّل إلى معنى، لا إلى لحظة.
"عشرة سنوات من الزواج" ليست مجرد عرض مسرحي، بل تجربة شعورية كاملة، تمزج الضحك بالألم، وتطرح أسئلة وجودية تحت غطاء الكوميديا.
عمل ينجح في شدّ المتفرج من أول لحظة إلى آخر نفس… ويؤكد أن المسرح، حين يُصنع بصدق، يصبح أقوى من أي علاج.



