بقلم: عزيز بن جميع
لا يُقاس عمر المبدع بعدد السنوات التي قضاها تحت الأضواء، بل بتلك اللحظة الفارقة التي يعلن فيها عن ميلاد حقيقي فوق الركح وأمام الكاميرا. ومع محمد علي بن جمعة، يبدو أننا أمام فنان بلغ مرحلة الاستواء الإبداعي، حيث تتحول التجربة إلى قوة، والموهبة إلى أثر لا يُمحى.
🎭 من “حادث مرور” إلى قمة التأثير
في ظهوره الأخير عبر مسلسل “Accident” (حادث مرور) على شاشة “نسمة”، قدّم بن جمعة واحداً من أكثر أدواره كثافة. جسّد شخصية الزوج المثقل بخيباته، والأب الذي ينهار كبرياؤه أمام انحراف ابنه، في أداء مشحون بالعاطفة والتوتر.
في لحظات المواجهة، خاصة تلك التي بلغ فيها “الصياح الدرامي” ذروته، لم يكن الصوت مجرد انفعال، بل كان ترجمة دقيقة لوجع داخلي عميق. هناك، لامس أداءه مستويات نادرة، تستحضر روح كبار المدرسة التمثيلية التونسية، حيث يتحول الغضب إلى لغة قائمة بذاتها.
🧱 مسيرة تُنحت بالصبر
لم يكن هذا التوهج وليد اللحظة، بل نتيجة مسار طويل من الاشتغال الهادئ. فقد صقل بن جمعة أدواته ضمن تجارب مسرحية وسينمائية جادة، متأثراً بأسماء كبيرة في المشهد الثقافي، ما منحه عمقاً في فهم الشخصية وتفكيكها.
في فيلم “سامحني”، قدّم نموذجاً مختلفاً من الأداء الإنساني، بينما يثبت اليوم أنه بات رقماً صعباً في المعادلة الدرامية، لا يُمكن تجاوزه أو اختزاله.
⚡ “الفتنة”… لحظة الانفجار الفني
أما محطة التحول الحقيقية، فتبقى دوره في مسلسل “الفتنة”، حيث جسّد شخصية “إدريس” بجرأة لافتة. لم يكن “شريراً” تقليدياً، بل شخصية متشابكة، تعيش صراعاً داخلياً مريراً، ما جعلها قريبة من وجدان المشاهد.
مشهد عودته إلى “المخزن” مثقلاً بالهزيمة، سيظل واحداً من اللحظات الفارقة في الدراما التونسية الحديثة. لم يمثل الانكسار… بل كان هو الانكسار ذاته، في صمتٍ أكثر بلاغة من الكلام.
🌟 نضج يليق بالكبار
ما يعيشه محمد علي بن جمعة اليوم هو تتويج لمسيرة اختارت العمق بدل السطح، والرهان على الجودة بدل الانتشار السريع. فنان يسرق الكاميرا بهدوء، ويهز المشاعر بصدق، دون افتعال أو مبالغة.
📌 في زمن يطغى فيه العابر، يثبت بن جمعة أن الإبداع الحقيقي لا يصرخ طلباً للانتباه… بل يفرض نفسه بقوة الصدق.
هنيئاً للدراما التونسية بهذا “الاحتراق الجميل”… وهنيئاً لفنان بلغ ذروة الانفجار الإبداعي.



