تحوّل ركح المسرح الأثري بقرطاج، مساء أمس، إلى فضاء جمع بين الضحك والتأثر، خلال عرض مسرحية «القرهمانة» للفنان معز التومي، في واحدة من أبرز سهرات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي. وجاء العرض ليؤكد المكانة التي باتت تحتلها هذه المسرحية في المشهد الثقافي التونسي، بعد أشهر من النجاح الجماهيري، قبل أن يكون ظهورها على ركح قرطاج محطة الوداع الأخيرة للعمل.
واعتمد معز التومي، كعادته، على أسلوب يجمع بين الكوميديا والسخرية اللاذعة، مقدّمًا قراءة نقدية للواقع التونسي عبر شخصية "القرهمانة"، التي تحولت إلى مرآة تعكس تناقضات المجتمع وهمومه اليومية. وتمكن الفنان من شدّ انتباه الجمهور بإيقاع مسرحي متوازن، انتقل فيه بسلاسة بين الضحك والتأمل، وهو ما جعل التفاعل مع العرض متواصلًا منذ بدايته وحتى نهايته.
لكن اللحظة الأكثر تأثيرًا لم تكن داخل أحداث المسرحية فقط، بل جاءت بعد إسدال الستار، حين وجّه معز التومي إهداءً مؤثرًا إلى والدته التي تعاني من مرض الزهايمر، في لفتة إنسانية لامست مشاعر الحاضرين. فقد بدا الفنان متأثرًا وهو يستحضر والدته، مؤكدًا أن هذا النجاح يهديه إليها، في مشهد اختلطت فيه مشاعر الفخر بالألم، وسط تصفيق حار من جمهور قرطاج الذي شاركه تلك اللحظة الصادقة.
ولم يكن عرض «القرهمانة» مجرد أمسية للترفيه، بل أكد مرة أخرى قدرة المسرح التونسي على الجمع بين الفرجة والرسالة، وعلى تحويل الضحك إلى وسيلة لطرح الأسئلة الكبرى حول المجتمع والإنسان. كما أثبت معز التومي أن الكلمة الصادقة والأداء المتقن لا يزالان قادرين على صنع عرض جماهيري يلامس مختلف الفئات.
وهكذا، غادرت «القرهمانة» ركح قرطاج وسط نجاح جماهيري كبير، تاركة وراءها ليلة ستظل عالقة في ذاكرة الحاضرين، ليس فقط بسبب قوة العرض، بل أيضًا بسبب تلك اللفتة الإنسانية التي ذكّرت الجميع بأن وراء الفنان إنسانًا يحمل من الوجع ما يحمله من الإبداع.


