بقلم عزيز بن جميع
حين يتطرق الشأن الثقافي في تونس إلى خريطة المهرجانات الصيفية والجهوية، تبرز للسطح أسماء وازنة طالما رافقت وجدان العائلة التونسية، لتصطدم بواقع غريب يثير الريبة والاستنكار. من بين هذه الأسماء، يسطع صوت الفنان المتميز عادل يونس الصوت الجميل الرخيم الذي يحمل في حنجرته جمعا بين عبق الأصالة وعمق الانتماء للموسيقى التونسية و روح التجديد الشبابي. و صاحب نجاحات مثل غالية و عزيزة روحي و البابور و الذي له بصمة خاصة في الفن الوتري بشهادة كبار الموسيقيين امثال منير المهدي.
إن الحديث عن عادل يونس ليس ترفاً نقدياً، بل هو وقفة تأمل أمام مسيرة فنية غنية راكمت عشرات الأغاني والبصمات الخالدة، وامتلكت "زاداً فنياً" حقيقياً يضعه في مصاف النجوم الكبار الذين صنعوا مجد الأغنية التونسية. فلماذا إذن هذا الإقصاء المبتعد به عن مدارج المهرجانات؟ ولماذا يظل هذا الغياب ظالماً بحق اسماء فنية وطنية تقدم البديل الجميل في زمن الابتذال؟
زاد فني راقٍ وعطاء لا ينضب
لا يختلف اثنان ممن تابعوا مسيرة عادل يونس أن الرجل يمتلك مقومات صوتية وأدائية نادرة؛ فهو فنان تميز بثقافة موسيقية واسعة وحضور ركحي أنيق يعيد للأذهان هيبة المسرح ووقار المواجهة الطربية المباشرة مع الجمهور. لقد قدّم طوال مسيرته زاد فنيا غنياً ومتنوعاً يجمع فيه بين الأغاني الخاصة الناجحة التي تفاعل معها الجمهور بشكل واسع وبين القوالب الطربية الكلاسيكية التي تؤكد تمكنه المطلق من أدواته الفنية.
ومع ذلك، فإن هذا الرصيد المعتبر من الإبداع الصوتي لم يشفع له بأن يكون ضيفاً قاراً ومكرمًا على منصات المهرجانات الكبرى و لا حتى الصغرى التي باتت -للأسف الشديد- تدار أحياناً بمنطق الولاءات والسمسرة الفنية على حساب الجودة والقيمة الحقيقية.
إقصاء يطرح أكثر من علامة استفهام
إن غياب فنان بحجم عادل يونس عن التظاهرات والمهرجانات الوطنية الكبرى يمثل نقطة استفهام كبرى ترسم ألف علامة تعجب حول المعايير المعتمدة في لجان الهيئات المديرة للمهرجانات
تهميش الصوت الحقيقي: هل أصبح المشهد الثقافي يضيق ذرعاً بالطرب الأصيل ليفسح المجال أمام موجات "الاستهلاك السريع"؟
سياسة المحاباة: عندما يُغيّب اسم معروف بتاريخه وبتنوع مسيرته و اشعاعه الاعلامي، ويُستبدل بأسماء باهتة لا رصيد لها سوى صخب المنصات الافتراضية، فإننا نكون أمام خلل بنيوي في إدارة الشأن الثقافي المحلي.
إن استمرار هذا التجاهل ضد أصوات وازنة مثل عادل يونس يعد غياباً ظالماً ومجحفاً في حق الذاكرة الموسيقية التونسية، ومحاولة بائسة لتجفيف منابع الإبداع الأصيل وإقصاء رواد الكلمة الطيبة واللحن الجميل.
نداء من أجل الإنصاف الثقافي
إن الفنان عادل يونس ليس في حاجة لمنبر عابر ليثبت جدارته، فتاريخه الفني الناصع وأعماله التي تستوطن وجدان جمهوره الواسع هي شاهده الأبدي. ولكن القضية أعمق من ذلك؛ إنها قضية "رد الاعتبار" للفن التونسي الجاد في وجه زحف الرداءة.
من الواجب اليوم على الجهات المعنية وإدارات المهرجانات مراجعة هذه السياسات الإقصائية، والانتصار للقيم الفنية النبيلة عبر منح الأصوات الطربية الأصيلة مكانتها المستحقة على الركح، حتى لا يتحول فضاؤنا الثقافي إلى متحف للأصوات المعلبة ومنصة حصرية للعبث بالذوق العام.
عزيز بن جميع


