مواكبة: عزيز بن جميع
في فضاء مسرحي حميمي، حيث تتقلّص المسافة بين الممثل والمتفرّج وتصبح التفاصيل الصغيرة جزءًا من الحكاية، تقدّم رانية القابسي في مسرحية «النهج» تجربة أدائية تقوم على الاشتغال النفسي والتفاعل الحي مع الشخصية، ضمن عمل أُنجز في شكل ورشة مسرحية ويُعرض بفضاء «آرتيستو»، في أجواء نهج عد لانسطة.
ولا تتوقف أهمية حضور القابسي عند تجسيد شخصية مرتبطة بمأساة أعقبت جريمة قتل، بل تتجاوز ذلك إلى بناء حالة درامية تتشابك فيها مشاعر الخوف والريبة والارتباك، وتتداخل فيها حدود الضحية والمتهمة، ليجد المتفرّج نفسه أمام شخصية لا تكشف أسرارها دفعة واحدة، بل تتركها تتسرّب عبر النظرات ونبرات الصوت وحركة الجسد.
أداء نفسي بعيد عن الاستعراض
تعتمد رانية القابسي في أدائها على التفاصيل الدقيقة، مستثمرةً تذبذب النبرة وتقطّع الأنفاس وتغيّر النظرات لتجسيد الاضطراب الداخلي للشخصية. وهي اختيارات تمنح الأداء كثافة تعبيرية، وتفتح المجال أمام المتلقي لقراءة ما يتوارى خلف الكلمات، في مساحة تتقدّم فيها الإيماءة أحيانًا على الحوار، ويصبح الصمت نفسه جزءًا من البناء الدرامي.
وتكمن قوة هذا الاشتغال في تجنّب المبالغة، إذ لا يتحوّل الانفعال إلى استعراض مجاني، بل يظل مرتبطًا بالحالة النفسية للشخصية وبالتوتر الذي يفرضه مسار الحكاية. ومن خلال هذا التوازن، تتشكّل صورة إنسانية مضطربة، تتأرجح بين محاولة فهم ما حدث والخوف من انكشاف ما تخفيه اللحظات الغامضة.
«آرتيستو»… حين يصبح الفضاء شريكًا في التمثيل
يفرض الفضاء الحميمي لعرض «النهج» تحديًا خاصًا على الممثل، فغياب المسافة الفاصلة بين الخشبة والجمهور يجعل كل حركة مرئية، وكل ارتباك قابلًا للالتقاط، ويضع الأداء أمام اختبار مباشر لا يسمح بالاختباء خلف اتساع الركح.
وفي هذا السياق، تستثمر القابسي حركة الجسد وتوزيع حضورها داخل الفضاء لتوليد الضغط الدرامي، مستحضرةً أجواء النهج بما يحمله من توتر وترقّب وغموض. فالحركة هنا ليست انتقالًا مكانيًا فحسب، بل وسيلة لتصعيد الإحساس بالخطر، وتوجيه انتباه المتفرج نحو تفاصيل قد تبدو عابرة، لكنها تكتسب دلالتها مع تطوّر الأحداث.
إنها علاقة متبادلة بين الممثلة والمكان؛ فالفضاء يحدّد شروط اللعب المسرحي، فيما تمنحه الممثلة حياةً ومعنى من خلال حضورها الجسدي وإيقاعها التعبيري.
ورشة مسرحية تفتح باب التجريب
تتيح طبيعة العمل المنجز في شكل ورشة مساحةً للتفاعل والبحث واختبار الإمكانات الأدائية. وتبرز في أداء رانية القابسي مرونة في الاستجابة لشركائها على الخشبة، وقدرة على التقاط الإشارات وإدماجها في مسار الشخصية، بما يضفي على اللحظات المسرحية حيويةً ويمنحها قابلية للتجدّد.
فالممثل في مثل هذه التجارب لا يكتفي باستعادة نص محفوظ، بل يحتاج إلى الإصغاء والتركيز والاستعداد للتفاعل مع التحولات التي يفرضها المشهد. ومن هنا، يصبح الانفعال جزءًا من عملية بناء المعنى، شرط أن يظل منسجمًا مع منطق الشخصية وإيقاع العرض.
رانية القابسي… من تفاصيل الشخصية إلى عمق الحكاية
تقدّم رانية القابسي في «النهج» نموذجًا لأداء يستمدّ قوته من الاشتغال على الداخل النفسي للشخصية، ومن تحويل المساحة المحدودة إلى مجال للتوتر والتأويل. فالجريمة ليست مجرد حدث يدفع الحكاية إلى الأمام، بل مدخل لاستكشاف الخوف والشك والهشاشة الإنسانية، وهي حالات تتجلى عبر جسد الممثلة وصوتها وعلاقتها بالفضاء وبقية الشخصيات.
وبين دقة التعبير وحرية التجريب، يبرز حضور القابسي بوصفه عنصرًا فاعلًا في تشكيل المناخ الدرامي للعمل، حيث لا تُقاس قيمة الأداء بارتفاع الصوت أو اتساع الحركة، بل بقدرته على جعل التفاصيل الصغيرة مشحونة بالمعنى.
في «النهج»، تذكّرنا رانية القابسي بأن المسرح لا يحتاج دائمًا إلى فضاءات ضخمة كي يصنع أثره؛ فقد تكفي مساحة قريبة، وشخصية مأزومة، وممثلة تعرف كيف تحوّل الصمت إلى سؤال، والنظرة إلى شك، والحركة إلى حكاية مفتوحة على احتمالات النفس البشرية.


