«طيب الذاكرة»… حذامي سلطان تحوّل الحرقوس وجماليات الجسد إلى حكاية تشكيلية عن تونس

«طيب الذاكرة»… حذامي سلطان تحوّل الحرقوس وجماليات الجسد إلى حكاية تشكيلية عن تونس

المركب الثقافي بتطاوين من 17 أكتوبر إلى 1 نوفمبر 2026

بقلم: أميرة قارشي

تستعدّ الفنانة التشكيلية والرسّامة حذامي سلطان لفتح أبواب عالمها الإبداعي من خلال معرضها الشخصي الثالث «طيب الذاكرة»، الذي يحتضنه المركب الثقافي بتطاوين من 17 أكتوبر الجاري إلى 1 نوفمبر القادم، بدعم من صندوق التشجيع على الإبداع الأدبي والفني بوزارة الشؤون الثقافية.

ليس المعرض مجرّد لقاء مع لوحات تشكيلية، بل رحلة في الذاكرة البصرية التونسية، تستحضر جماليات الجسد الأنثوي وسحر النقوش التقليدية، لتعيد تركيب ملامح الهوية المحلية بلغة فنية معاصرة، تمتد من شمال البلاد إلى جنوبها، وتجمع بين الموروث الشعبي والبحث التشكيلي المتجدد.

الحرقوس… حين تتحوّل الرائحة إلى صورة

تتخذ حذامي سلطان من الحرقوس، بمادته السوداء ورائحته المميزة وحضوره الراسخ في الذاكرة التونسية، منطلقًا لتجربة فنية تستكشف العلاقة بين الجسد والزينة والهوية. فهذه المادة التي ارتبطت بطقوس التجمّل النسائي ومناسبات الفرح، تغادر وظيفتها التقليدية لتصبح عنصرًا تشكيليًا يستدعي الذاكرة ويمنحها حضورًا بصريًا جديدًا.

وفي تصورها للمعرض، تمزج الفنانة بين الرموز الأمازيغية ومكوّنات اللباس التقليدي، من الجبّة والسفساري إلى البرنوس، مستحضرةً كذلك عراقة المعمار التونسي، من أزقة المدن العتيقة إلى قصور مطماطة وشنني.

إنها محاولة لإعادة اكتشاف تفاصيل تبدو مألوفة، لكنها تحمل في داخلها طبقات من الحكايات والدلالات؛ فالنقش ليس مجرد زينة، واللباس ليس مجرد مظهر، والمعمار ليس مجرد فضاء، بل جميعها شواهد على ذاكرة جماعية تتوارثها الأجيال وتعيد كل مرحلة قراءتها بطريقتها الخاصة.

الجسد الأنثوي… فضاء للهوية والإبداع

في هذا المعرض، يحتل الجسد الأنثوي موقعًا مركزيًا بوصفه مساحة تتقاطع فيها الجماليات والرموز الاجتماعية والثقافية. ومن خلال استحضار الحرقوس والزخارف التراثية، تفتح حذامي سلطان المجال أمام قراءة فنية للجمال التونسي، بعيدًا عن الصورة السطحية، باتجاه ما تختزنه تفاصيله من ذاكرة وانتماء وتجربة إنسانية.

وتكمن خصوصية هذا المسار في تحويل عناصر من الحياة اليومية والتراث المادي إلى مفردات تشكيلية معاصرة، قادرة على إقامة حوار بين الماضي والحاضر، وبين ما تحتفظ به الذاكرة وما تستطيع المخيلة الفنية ابتكاره.

من الذاكرة المحلية إلى حكاية تونسية جامعة

وعلى الرغم من تنوع الموضوعات وتعدد الحكايات التي تحملها اللوحات، فإنها تلتقي في فضاء واحد تتجاور داخله جغرافيا البلاد ورموزها الثقافية، من الشمال إلى الجنوب. وهكذا يصبح المعرض أكثر من استعادة للموروث؛ إنه دعوة إلى تأمل ما يجعل من التفاصيل المحلية جزءًا من ذاكرة تونس المشتركة.

وبين رائحة الحرقوس وسحر النقوش وجماليات الجسد وثراء المعمار، تمنح حذامي سلطان الذاكرة فرصة جديدة للكلام، مستعينةً باللغة التشكيلية لتصوغ من عناصر التراث رؤية معاصرة للهوية.

«طيب الذاكرة» موعد فني في تطاوين يضع التراث في قلب التجربة الإبداعية، ويؤكد أن الذاكرة ليست ماضيًا ساكنًا، بل مادة حيّة يمكن للفن أن يعيد تشكيلها، ويمنحها صورًا جديدة تنبض باسم تونس.