ميساء باديس في حوار عميق: خيار الهجرة لم يكن مطروح اصلا في حياتي و الان افكر فيه بجدية

ميساء باديس في حوار عميق: خيار الهجرة لم يكن مطروح اصلا في حياتي و الآن افكر فيه بجدية

لا اعرف وجهتي القادمة ومنفتحة على كل الاقتراحات

عائلتي سندي و سر نجاحي

ثلاث برامج كاملة دخيلة على المشهد التلفزي

وصلت حد الاستنزاف من وضع الاعلام 

حاورها عزيز بن جميع

في كواليس المشهد الإعلامي، حيث تتداخل كلفة الاستنزاف النفسي مع أزمة الهياكل والتمويل، تبدو الإعلامية والمنشطة التلفزية أقرب من تشخص الوضع باحثة عن قطرة شغف. في هذا الحوار، تفتح قلبها بلا دبلوماسية، مستعرضة محطات المسيرة، ووجع المهنة بشغف الكبار، وأسئلة البقاء في مهنة تخلو شيئاً فشيئاً من بهجة الإبداع. مع الرائعة ميساء باديس كانت سفرة ورحلة وفيض من قلب انفجر.

أهلاً بكِ ميساء، نستهل هذا اللقاء باستكشاف ملامح الموسم الجديد والتطلعات القادمة. فماذا في جراب ميساء اليوم؟

الحقيقة، ما زلت في فترة راحة ولم أكترث بعد لترتيب أوراق الموسم القادم. عادةً ما تبدأ التلفزات برمجتها في أواخر أوت أو مطلع سبتمبر لتنطلق الاتصالات.  و من عادتي انتظار المبادرة من اصحاب القرار.

ربما لأن اسمك ورصيدك من النجاحات يفرض على القنوات أن تسعى إليكِ لا العكس؟

هذا صحيح، فالاسم موجود وثابت. لكنني بالمطلق ضد سياسة العمل في اللحظات الأخيرة. مع الأسف، إذا كانت المنظومة تدار بهذه الطريقة، فلست أنا من سيعلمهم أصول المهنة، فهم يعملون في هذا المجال منذ سنوات طويلة وراكموا خبرات تفوق خبرتي، وحققوا نجاحات عديدة أتابع جانباً منها.

تميز برنامجك "على كيفي" بطرح راقٍ وضيوف ممتازين. برأيك، ما سبب تراجع تفاعل الجمهور رقمياً مع بعض البرامج في تونس؟

لا، ليس الأمر كذلك تماماً. لدي حلقات تعود لسنوات مضت حققت ملايين المشاهدات، ولم تقتصر على النجوم؛ بل شملت شخصيات عادية مثل الشاب المريض "يحيى" الذي حقق ملايين المشاهدات رغم أنه مواطن بسيط، وعلى الرغم من أن منصات التواصل الاجتماعي لم تبرز ذلك بالشكل الكافي.

ذلك الفيديو بالتحديد كشف عن جانب إنساني نبيل في شخصيتك حين سارعت لمساعدة ذلك الشخص بصدق تام دون أضواء..؟

لا أعرف إن كان الإعلاميون الآخرون قد تقاعسوا عن الأمر أم لا، لكن يحي بادر بالاتصال بي واستجبت له فوراً بكل صدق بعد أن تثبت من تفاصيل حالته وتأكدت من صحتها. لم أكن لأسكت عن إيصال صوته متى توفر اليقين.

"كنت خلال العامين أو الثلاثة الماضية أسير بلا روح، أعمل بحكم العادة وأعود للمنزل دون شغف، وكنت أتطلع بشدة لخوض تجربة إعلامية خارج حدود تونس."

هل انت راضية عن مولودك على كيفي؟

أنا فخورة جداً بتجربتي التلفزية على كيفي، وسعيدة وراضية بها كل الرضا. لكنني كنت خلال العامين أو الثلاثة الماضية أسير بلا روح، أعمل بحكم العادة وأعود للمنزل دون شغف، وكنت أتطلع بشدة لخوض تجربة إعلامية خارج حدود تونس. هذا هو بيت القصيد؛ فسواء عملت في اي قناة تونسية فالأمر سيان بالنسبة لي، فجمهور التونسيين هو نفسه الذي يتابع هذه الشاشات. أما عن اسمي وحضوري، فهو نتاج عمل دؤوب امتد من 2018 إلى اليوم.

المشهد الإعلامي يبدو أحياناً كأنه حلقة مغلقة، تشبه حالة طفل يعاني من إعاقة قدرية لا علاج لها، تضطر عائلته للتنقل به عبثاً من طبيب لآخر دون جدوى.. ألا تشعرين بالتعب والإحباط؟

لقد تعبت حقاً، واقتربت مرحلة الشعور باليأس من هذا المجال. نحن نعمل لنعيش ونؤمن قوت يومنا، وهذا مورد رزقي الوحيد، وعندما أتوقف عن العمل أفقد مصدر دخلي. أنا إعلامية محترفة أحب عملي لأكسب رزقي، ولم يعد هناك متسع للإبداع الحقيقي.

رغم أنني أعرف حجم اجتهادك ودقتك، وأنكِ قد تقضين أسبوعاً كاملاً في التحضير لضيف واحد، إلا أنكِ تبدين اليوم كمن استنفد طاقته تماماً. هل تعاني الصحافة في تونس من مرض حقيقي؟

تماماً، الإعلام في تونس يأن من الألم وكأنه امرأة تعيش مع رجل تحبه بكل تفانٍ وتقدم التضحيات الجسام، لكنه لا يبادلها نفس الشعور ولا يمنحها سوى الصفر من الاهتمام.

وماذا عن طموحاتك في استضافة أسماء كبرى من الوطن العربي؟

عندما أردت استضافة شخصيات وازنة من الوطن العربي مع بداية الموسم، اصطدمت بواقع الإمكانيات المادية واللوجستية. لو أعلنت عن تلك الأسماء فلن يصدقني أحد، لأن كبار الإعلاميين أنفسهم يعلمون صعوبة الأمر، رغم موافقة بعض الضيوف مبدئياً ورغم اني نجحت مع عدة اسماء عربية وكان البرنامج الوحيد الذي يستضيف نجوما عرب. لقد شعرت أنني أعمل وحيدة تماماً وبجهود خاصة. إضافة إلى ذلك، فالاستنزاف بمرور الوقت يحتم التعب؛ فلا يمكن الحفاظ على نفس الريتم والجهد الذي قُدم في سنوات 2018 و2019 و2020، الشغف يتغير والتعب البدني والذهني ينال من الإنسان. رغم ذلك مازالت قادرة على العطاء.

لو طلبنا منك تشخيص الوضع للإعلام التونسي اليوم، فما أبرز أمراضه؟

المشكلة الأساسية هي المشكلة المادية البحتة المرتبطة بالتمويل والإشهار. إذا استمر هذا الوضع، فستغلق جميع القنوات التلفزية أبوابها وتتحول إلى منصات إلكترونية. انظر مثلاً إلى قناة ام تونيزيا التي عملت بها، فحتى حلقتي مع الشاب بشير توقف بثها في المباشر وانتهت القناة بالكامل وكانت لحظات اجهاض القناة و اخر اللقطات معي.

لكن ألا تبدين شيئاً من اليأس؟ فأنتِ حققتِ الكثير وما زلتِ قادرة على النجاحات؟

ليس يأساً بالمعنى المطلق، فأنا أعرف قيمة نفسي جيداً وقدرتي على الإبداع، سواء في تونس أو حتى عبر القنوات العربية.

بعيداً عن الأزمات المادية، ما الآفات الأخرى التي تعاني منها المنظومة الاعلامية؟

المشكلة تكمن في غياب المعايير السليمة وغلبة المصالح الضيقة. عندما تستضيف قناة شخصاً لا علاقة له بالإعلام لمجرد أنه يمثل تجسيدا لمقابل مادي، دون النظر لتبعات ذلك على السوق وعلى الإعلاميين الحقيقيين الذين يبنون أسماءهم عبر السنين، فهذا يدمر المشهد بالكامل. لقد كثرت البرامج الدخيلة لتصل لحد ثلاث برامج كاملة كاملة دخيلة.

وماذا عن محاسبتك المستمرة لنفسك؟

أنا أمارس محاسبة ذاتية قاسية وعميقة باستمرار. لا أغادر يومي دون أن أراجع تصرفاتي وأسأل نفسي: لماذا حدث هذا؟ وأسترجع مواقف تعود لخمس سنوات مضت أتحقق إن كنت قد ظلمت أحداً، ثم أؤمن بمبدأ "العدل اساس العمران" وأن الحقوق تعود لأصحابها.

رغم أن البعض يصفك بالنرجسية بسبب هذه الصراحة، إلا أنهم يغفلون حجم الجهد الهائل والتضحيات خلف الكواليس؟

تماماً كصاحب المقهى الذي يفتح أبوابه منذ الفجر بينما لا يرى الزبون سوى القهوة الجاهزة..

هذا تشبيه دقيق؛ فحياتي تتوزع بنسبة سبعين بالمئة للعمل وثلاثين بالمئة للعائلة والحياة الخاصة.

هل ندمتِ يوماً على منح كل هذا الوقت والجهد لهذا الميدان؟

في السابق كنت أنفي ذلك تماماً، لكنني في الفترة الأخيرة بدأت أعرج نحو الندم فعلاً، وتسااءلت عما إذا كان يستحق كل هذا العناء والتضحية بصحتي وراحتي النفسية.

لو جاءتك شابة تسأل عما إذا كان عليها دخول عالم الإعلام، فماذا ستكون نصيحتك؟

لن أقول لها "ابتعدي عن هذا المجال"، بل سأقول لها: "اسعي وراء حلمك وحققيه"، لأن العمل الجاد أساسي، ولولا خوضي هذه التجربة لربما كنت في قطاع الاقتصاد الذي كان حلماً لي أيضاً.

هل تفكرين اليوم في خوض تجربة إعلامية خارج تونس، ربما في الخليج أو العالم العربي؟

في السابق، كنت أرفض فكرة الابتعاد عن عائلتي وكنت ارفض فكرة الهجرة وعبرت على ذلك. أما اليوم، وبعد أن كبرت طموحاتي وأصبحت أنظر للأمور بعقلانية أكبر، فأنا مستعدة لقبول أي فرصة حقيقية في العالم العربي، سواء في المجال الرياضي أو السياسي أو الاقتصادي، طالما أن المقابل المادي والاستقرار يبرران ذلك. رغم اني منفتحة اكثر على اعلام بلادي.

هل هنئك كثيرون بعد حصولك على جائزة افضل منشطة؟

اشكر الاتحاد التونسي للشغالين الشبان واشكر كل من منحني ثقته. هو تتويج على مسار 8 سنوات لكن جاء في 2025.

الغريب ان اناسا لا يعرفونني هنئوني وفريقي من اعمل معه واقابله كل يوم يكتفي برؤية الستوري. هذا يجعلني اشك واراجع حساباتي.

من اهم من حاورتهم؟

العبقري عز الدين المدني والمسرحي فتحي العكاري وانا اؤمن بالقامات.

وما العائلة؟

هي الحضن الوطن النور هي السند هي من تقبلني و تدفعني نحو النجاح والدفئ. ابي و امي اهدي لهما كل نجاحاتي وطبعا اخوتي.


حاورها: عزيز بن جميع