في ربيع عام 1876، استفاق ريف ولاية Kentucky على حادثة بدت أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. في مزرعة هادئة بمقاطعة باث، تساقطت من السماء قطع صغيرة تشبه اللحم، في يوم صافٍ تمامًا، دون غيوم أو عواصف تبرر ما حدث. خلال ساعات، تحولت الواقعة إلى حديث الصحف والصالونات العلمية، لتدخل التاريخ لاحقًا تحت اسم “مطر اللحم”.
روايات الشهود… دهشة وجرأة
كانت السيدة كراوتش تُحضّر الحساء في مطبخها حين لاحظت تساقط قطع غريبة حول المزرعة. تراوح حجم بعضها بين ثلاث وأربع بوصات مربعة، بينما بدا معظمها أصغر، متناثرًا كما لو أنه سقط عشوائيًا بفعل قوة غير مرئية.
وصل مراسلو صحيفتي The New York Times وLouisville Commercial إلى المكان، وشاهدوا المادة العالقة بالأسوار والأرض. وفي مشهد يعكس عقلية القرن التاسع عشر، أقدم رجلان على تذوق العينات، ورجّحا أنها قد تكون من لحم ضأن أو غزال.
العلم يدخل على الخط… «هلام النجمة» في قفص الاتهام
بعد نحو ثلاثة أشهر، أجرى الباحث ليوبولد برانديس تحليلًا لعينات محفوظة. وخلص إلى أن المادة ليست لحمًا حقيقيًا، بل نوع من البكتيريا الزرقاء يُعرف باسم النوستوك أو “هلام النجمة”.
هذا الكائن الهلامي، الذي يظهر جافًا بالكاد يُرى، ينتفخ عند امتصاص الرطوبة ليأخذ شكلًا لحميًا ولونًا قريبًا من الأنسجة الحيوانية. غير أن هذا التفسير واجه معضلة أساسية: السماء كانت صافية يوم الحادثة، ولم تُسجّل ظروف رطبة تبرر تضخم المادة فجأة.
فرضيات متضاربة… من رئات الحيوانات إلى الأنسجة البشرية
لم يتوقف الجدل عند “النوستوك”. بعض الباحثين رجّح أن القطع أنسجة رئة لحيوان نافق، بينما ذهب آخرون إلى احتمال كونها غضاريف أو أليافًا عضلية، بل وحتى لحومًا بشرية.
غير أن هذه الفرضيات، وإن فسّرت طبيعة المادة، لم تجب عن السؤال الأهم: كيف وصلت إلى الأرض بهذا الشكل المبعثر في يوم هادئ؟
التفسير الأكثر ترجيحًا… النسور في دائرة الضوء
التفسير الذي حظي بقبول أوسع جاء من الطبيب إل. دي. كاستنباين، الذي ربط بين المشاهدات المحلية وسلوك الطيور الجارحة. فبحسب طرحه، كانت النسور تحلق عاليًا وهي تتغذى على جيف حيوانات نافقة، ثم تتقيأ أجزاء غير مهضومة أثناء الطيران، وهو سلوك معروف لديها لتخفيف الوزن أو الهروب السريع.
مع الرياح، تناثرت الأنسجة وسقطت فوق المزرعة، مانحة الواقعة مظهرًا دراميًا لا يخلو من الغرابة، لكنه يظل ضمن نطاق الظواهر الطبيعية.
بين الأسطورة والعلم… لماذا بقي اللغز حيًا؟
رغم مرور أكثر من قرن، ما زالت “حادثة كنتاكي” تُستدعى كلما ذُكرت الظواهر الغامضة. فهي تمثل تقاطعًا فريدًا بين الدهشة الشعبية والتحقيق العلمي، وتكشف كيف يمكن لواقعة محلية محدودة أن تتحول إلى قضية وطنية تثير الجدل لعقود.
في النهاية، قد لا يكون اللغز في سقوط اللحم ذاته، بل في الطريقة التي يتفاعل بها البشر مع ما يتجاوز توقعاتهم. بين تفسير بيولوجي وسلوك بيئي طبيعي، تبقى الحادثة درسًا في أن الغرابة لا تعني بالضرورة الخوارق… بل أحيانًا، مجرد طبيعة لم نفهمها بعد.



