درع عمره 1800 عام يقود إلى اكتشاف صادم.. عظام محارب من الوندال داخل قطعة أثرية نادرة!

درع عمره 1800 عام يقود إلى اكتشاف صادم.. عظام محارب من الوندال داخل قطعة أثرية نادرة!

لم يكن الرجل يبحث عن كنز أثري، بل عن قطعة غيار لسيارته داخل ساحة للخردة في جنوب شرقي بولندا. لكن ما عثر عليه بين أكوام الحديد كان أقدم بكثير من أن يكون مجرد قطعة معدنية مهملة؛ فقد قاد اكتشاف عابر إلى لغز أثري يعود إلى نحو 1800 عام، وكشف عن بقايا محارب يُعتقد أنه ينتمي إلى شعب الوندال.

وقعت المفاجأة في مدينة هروبيشوف القريبة من الحدود البولندية مع أوكرانيا، عندما عثر الرجل على قطعة حديدية بدت له قديمة، فالتقط لها صورة وأرسلها إلى متحف الأب ستانيسواف شتاشيتش في هروبيشوف. وهناك بدأ علماء الآثار رحلة البحث عن حقيقة القطعة الغامضة.

قطعة صغيرة.. وقصة محارب كامل

أظهرت الفحوص أن القطعة ليست خردة عادية، بل تمثل الجزء الحديدي المركزي من درع حربي قديم، المعروف باسم «الأومبو» (Umbo)، وهو الجزء الذي يحمي يد المحارب ويعزز بنية الدرع المصنوع أساسًا من الخشب والجلد.

لكن حالة القطعة وشكلها المميز حملا إشارة أكثر إثارة؛ إذ بدت آثار تعرضها لحرارة شديدة، بينما اختفت أجزاء الدرع العضوية بفعل مرور القرون.

والأكثر إثارة أن الباحثين، أثناء فحص كتلة من التراب الجاف كانت عالقة داخل القطعة الحديدية، عثروا على عظام بشرية محترقة.

وهنا تحولت القطعة من مجرد أثر حربي إلى شاهد على طقس جنائزي قديم.

عظام بشرية تحكي طقوس الموت

يرجح علماء الآثار أن العظام المحترقة ترتبط بطقس دفن كان يعتمد على حرق جثمان المتوفى، وهي ممارسة معروفة لدى بعض المجتمعات الأوروبية القديمة.

وأكد ممثلو المتحف أن حالة حفظ الدرع، وخاصة سطحه المتأثر بالحرارة، إلى جانب وجود العظام المحترقة داخله، يدعم بقوة فرضية ارتباطه بدفن محارب من مجتمع الوندال.

وتشير خصائص الجزء الحديدي ومكان العثور عليه إلى أن الدرع يعود على الأرجح إلى القرن الثاني الميلادي.

من بولندا إلى إفريقيا.. رحلة شعب الوندال

كان الوندال شعبًا جرمانيًا عاش في مناطق من أوروبا الوسطى خلال العصور القديمة، قبل أن يبدأ لاحقًا رحلة هجرة طويلة نحو الجنوب.

وفي القرن الخامس الميلادي، وصل الوندال إلى شمال إفريقيا، حيث أسسوا مملكة امتدت لسنوات قبل سقوطها.

أما في الأراضي البولندية، فيرتبط وجودهم بما يعرف باسم ثقافة برزيفورسك (Przeworsk)، وهي ثقافة أثرية ارتبطت بجماعات جرمانية عاشت في المنطقة خلال العصور القديمة.

وبذلك، لا يمثل الدرع المكتشف مجرد قطعة من سلاح قديم، بل نافذة نادرة على حياة جماعات عاشت في المنطقة قبل قرون طويلة من وصول الوندال إلى شمال إفريقيا.

أين اختفى القبر؟

ورغم أهمية الاكتشاف، يبقى السؤال الأكبر بلا إجابة: أين يوجد قبر المحارب؟

يعتقد الباحثون أن القطعة كانت جزءًا من مدفن تعرض للتدمير في وقت ما، وهو ما يجعل تحديد موقع القبر الأصلي أو إعادة بناء محتوياته أمرًا بالغ الصعوبة.

وربما كان القبر يخفي إلى جانب الدرع مقتنيات أخرى تكشف المزيد عن هوية صاحبه ومكانته، مثل سيف، ورؤوس رماح، وأسلحة خفيفة، ومشبك للحزام أو للعباءة.

لكن تدمير موقع الدفن حرم علماء الآثار من هذه الأدلة، ولم يُبقَ سوى قطعة من الدرع وعظام محترقة تختزن قصة رجل عاش ومات قبل نحو 1800 عام.

من ساحة خردة إلى صفحة في التاريخ

المفارقة أن هذا الاكتشاف لم يبدأ داخل حفريات أثرية منظمة، بل في ساحة للخردة، حيث كان يمكن بسهولة أن تنتهي القطعة إلى مصيرها كقطعة حديد مجهولة المصدر.

لكن ملاحظة الرجل وإرساله صورة إلى المتحف أنقذا أثرًا نادرًا من الضياع، وفتحا أمام الباحثين بابًا جديدًا لفهم طقوس الدفن والحياة العسكرية لدى الجماعات التي عاشت في أوروبا القديمة.

وفي النهاية، قد يكون أكثر ما يثير الفضول في هذه القصة ليس الدرع نفسه، بل الرجل الذي حمله، والقبر الذي احتضنه، واللحظة التي اختفى فيها كل شيء ولم يبقَ منه سوى الحديد والعظام.