كشفت دراسة حديثة في علم الأعصاب عن معطى صادم يعيد فتح الجدل حول مخاطر الفضاء الرقمي، حيث تبيّن أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُعدّ العامل الأكثر ارتباطًا بزيادة تشتت الانتباه لدى المراهقين، متقدّمًا بذلك على الألعاب الإلكترونية ومشاهدة الفيديوهات، التي لطالما وُضعت في قفص الاتهام. الدراسة، التي شملت أكثر من 8 آلاف طفل تتراوح أعمارهم بين 10 و14 سنة، صنّفت العادات الرقمية إلى ثلاث فئات رئيسية، وركّزت على قياس تأثيرها المباشر على مؤشرات اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
النتائج أظهرت بوضوح أن وسائل التواصل الاجتماعي ترتبط بارتفاع تدريجي في قلة الانتباه، في حين لم تسجّل الألعاب الإلكترونية أو الفيديوهات أي تأثير يُذكر، حتى بعد احتساب العوامل الجينية. والأخطر من ذلك أن الدراسة أكدت أن العلاقة أحادية الاتجاه: فالأطفال لم يكونوا أكثر استخدامًا للتواصل الاجتماعي بسبب تشتت الانتباه، بل إن الاستخدام ذاته هو ما يفاقم المشكلة لاحقًا. وهو ما يدحض الفرضيات القديمة التي كانت تُحمّل جميع الشاشات الرقمية المسؤولية دون تمييز.
وتُرجّح الدراسة أن السبب لا يعود إلى “الدوبامين” بقدر ما يرتبط بطبيعة وسائل التواصل نفسها، القائمة على التقطيع الذهني المستمر، وانتظار الإشعارات، والتفكير الدائم في الرسائل القادمة. هذا النمط المتواصل، على عكس الألعاب التي تقوم على جلسات قصيرة ومركزة، قد يترك آثارًا تراكمية خطيرة على المدى الطويل. وعلى المستوى المجتمعي، تحذّر النتائج من أن زيادة ساعة واحدة يوميًا في استخدام هذه المنصات قد ترفع معدلات تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بنحو 30%، في سياق عالمي يشهد تضاعفًا غير مسبوق في زمن الاستخدام الرقمي، ما يضع الأسر والدول أمام مسؤولية عاجلة لإعادة ضبط علاقة الأجيال الصاعدة بعالم الشاشات.



