مع اقتراب منتصف شهر سبتمبر تستعد تونس لعودة أكثر من مليوني تلميذ إلى مقاعد الدراسة بعد أن حددت وزارة التربية يوم 15 سبتمبر 2025 موعدا رسميا لانطلاق السنة الدراسية 2025–2026 على أن يباشر الإطار التربوي مهامه يوم 13 من نفس الشهر وتختتم السنة في 30 جوان 2026، هذه العودة التي يفترض أن تكون مناسبة لإحياء الأمل في قلوب التلاميذ والأسر تكشف في الحقيقة عن منظومة مثقلة بالأزمات المتراكمة بين كلفة باهظة ترهق العائلات وتراجع في نسب التمدرس وتفاقم الانقطاع المبكر مقابل بعض المبادرات الإصلاحية التي لم تتحول بعد إلى واقع شامل.
منذ الاستقلال كانت المدرسة التونسية رافعة للصعود الاجتماعي وركيزة لبناء الدولة الوطنية، فقد ساهمت سياسات تعميم التعليم في الستينات والسبعينات في رفع نسب التمدرس إلى 98% بحلول 2012 ما جعل تونس تصنف كواحدة من أنجح التجارب التعليمية في المنطقة، غير أن العقد الأخير كشف تراجعا واضحا إذ انخفضت نسب التمدرس في الابتدائي إلى 92,2% سنة 2023 وفي الثانوي إلى 76,5% وهو ما يعكس أزمة هيكلية تتجاوز الظرف الاقتصادي لتصل إلى عمق الخيارات التربوية والسياسات العامة.
وعلاوة على ذلك، تشكل الكلفة الاقتصادية للعودة عبئا كبيرا على آلاف الأسر، فقد أدى التضخم وتراجع قيمة الدينار إلى ارتفاع أسعار الكتب والأزياء واللوازم المدرسية بشكل غير مسبوق ووفق الإحصاءات الرسمية فإن 32,4% من الانقطاعات الدراسية مرتبطة مباشرة بأسباب مادية ما يجعل التعليم وهو حق دستوري يتحول إلى رفاهية صعبة المنال، وفي المناطق الداخلية على وجه الخصوص تتضاعف الأزمة مع غياب النقل المدرسي وصعوبة الالتحاق بالمدارس الداخلية ما يدفع العديد من الأطفال خاصة الفتيات إلى مغادرة مقاعد الدراسة في سن مبكرة.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال الأرقام المقلقة التي تكشف عن عمق أزمة الانقطاع فقد سجلت تونس في السنة الدراسية 2021–2022 انقطاع 91,222 تلميذا أي نحو 4% من مجموع التلاميذ وتتضاعف خطورة هذه الظاهرة في ولايات مثل القيروان حيث بلغت نسبة الانقطاع 33,8% وفي معتمدية بوحجلة إلى 46,3% هذه المعطيات تكشف ليس فقط عن أزمة تعليمية لكن أيضا عن فجوة جهوية حادة تعيد إنتاج التهميش وتكرّس دورة الفقر.
وفي الوقت الذي يغادر فيه آلاف التلاميذ مقاعد الدراسة مبكرا يواجه الذين يواصلون تعليمهم أزمة جودة حقيقية، فتقارير اليونيسف تفيد بأن 36% من الأطفال بين 7 و14 سنة لا يجيدون القراءة فيما يعاني 68,3% من ضعف في الحساب، كل هذه المعطيات إذا ما ربطت بنسبة النجاح الضعيفة في البكالوريا 2024 والتي لم تتجاوز 42% تكشف عن خلل بنيوي في مردودية التعليم حيث يغادر عدد كبير من التلاميذ النظام التربوي دون امتلاك الحد الأدنى من الكفاءات الأساسية.
وإلى جانب مشاكل التلاميذ، يواجه المربون بدورهم وضعية مهنية هشة فآلاف الأساتذة يعملون بعقود وقتية أو بنظام النيابة في ظروف تتسم بتأخر صرف الأجور وغياب الاستقرار الوظيفي، هذا الوضع أدى إلى سلسلة من الإضرابات والتحركات الاحتجاجية خلال السنوات الماضية ما انعكس سلبا على انتظام الدروس وأثر في ثقة الأولياء بالمدرسة العمومية، فكيف يمكن للمدرس المحبط الذي يعيش حالة من انعدام الأفق أن يكون رافعة للإصلاح؟
وعلى المستوى القانوني، يكرس الفصل 135 من دستور 2022 إحداث مجلس أعلى للتربية والتكوين كهيئة عليا مكلفة بتوحيد الرؤى التربوية وصياغة السياسات بعيدا عن التجاذبات السياسية، كما ينص القانون على إلزامية التعليم من سن 6 إلى 16 عاما، لكن بالمقابل يظل هذا الإطار القانوني غير مفعل على أرض الواقع إذ لم ير المجلس الأعلى للتربية النور بعد ولم يمنع القانون آلاف الأطفال من مغادرة المدارس قبل استكمال تعليمهم الأساسي.
ورغم هذه الأوضاع المعقدة، تبرز بعض المبادرات المضيئة فقد أطلقت جمعيات مثل “Wallah We Can” مشاريع لتحويل المدارس الداخلية إلى فضاءات مستدامة تعتمد الطاقة المتجددة وتوفر النقل والتغذية، كما بدأت تجربة “مدارس الفرصة الثانية” في بعض الولايات كالقيروان لإعادة إدماج الأطفال المنقطعين، وبالتوازي أعلنت وزارة التربية عن نوايا لتحديث المناهج عبر إدماج التربية الرقمية والبيئية ومهارات التفكير النقدي غير أن هذه المبادرات رغم أهميتها تبقى محدودة إن لم تدعم بإصلاح استراتيجي شامل.
من هنا، تتعدد المقترحات العملية التي يراها الخبراء ضرورية فمن ناحية يمكن أن يخفف الدعم المادي المباشر للأسر الفقيرة عبر منح مدرسية أو توزيع مجاني للوازم من أثر الأزمة الاقتصادية؛ ومن ناحية أخرى، فإن توسيع تجربة مدارس “الفرصة الثانية” إلى كافة الجهات وتطوير مشروع "M4D"لمحاربة الهدر الدراسي، سيسمح بترميم مسارات الأطفال المنقطعين، أما على المدى الطويل فإن تفعيل المجلس الأعلى للتربية وإعادة الاعتبار لوضعية المدرس ومراجعة المناهج لتكون أكثر التصاقا بسوق العمل وقيم المواطنة تبقى رهانات مركزية لأي إصلاح ناجح.
وهكذا، فإن العودة المدرسية في تونس لم تعد حدثا تقويميا عابرا لكنها أصبحت اختبارا سنويا يكشف عن هشاشة المنظومة التعليمية ويعكس عمق الأزمة الاجتماعية، فالمدرسة التي كانت في الماضي قاطرة للصعود الاجتماعي وبوابة للتنمية باتت اليوم في حاجة ملحة إلى إصلاح جذري يعيد لها مكانتها كفضاء للعدل والمعرفة وصناعة المستقبل ولعل الأمل لا يزال قائما شرط أن تتوفر الإرادة السياسية الصادقة وتفعل القوانين القائمة وتتظافر الجهود بين الدولة والمجتمع المدني والمربين والأسر حتى تتحول العودة المدرسية من كابوس اقتصادي واجتماعي إلى بداية فصل جديد من الأمل والبناء.