حادث بلاريجيا بجندوبة يفتح ملف مساءلة الجهات المعنية بحماية العاملات الفلاحيات

حادث بلاريجيا بجندوبة يفتح ملف مساءلة الجهات المعنية بحماية العاملات الفلاحيات

بقلم إيمان مزريقي

أعاد حادث المرور الذي جد صباح الأربعاء 28 أكتوبر 2026 بمنطقة بلاريجيا من ولاية جندوبة على مستوى الطريق الجهوية عدد 59 الرابطة بين بوسالم وجندوبة ملف سلامة العاملات الفلاحيات إلى واجهة النقاش العام وطرح مجددا تساؤلات جدية بشأن مدى تطبيق التشريعات المنظمة للنقل الفلاحي وفاعلية آليات الرقابة والمساءلة. ووفق المعطيات الأولية فقد أسفر اصطدام شاحنتين خفيفتين من نوع إيسوزي عن إصابة عدد من العاملات الفلاحيات وسائقي الشاحنتين بجروح متفاوتة الخطورة. وفي انتظار صدور حصيلة رسمية نهائية للمصابين وتطورات حالتهم الصحية يظل تحديد الأسباب الحقيقية للحادث رهينا بنتائج التحقيق الفني والقضائي.

وفي هذا السياق تبرز ضرورة التثبت من مدى مطابقة العربتين للشروط القانونية المتعلقة بالنقل الفلاحي ومن صلاحية وثائقهما وتراخيصهما والفحص الفني وتجهيزات السلامة وعدد الركاب وظروف القيادة. كما يقتضي الأمر تحديد مدى احترام قواعد السرعة ومسافة الأمان وحالة الطريق والظروف الجوية. وإذا ثبت وجود إخلالات قانونية أو تقصير ساهم في وقوع الحادث فإن تحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية يصبحان ضرورة لا تحتمل التأجيل. وعليه يطرح السؤال: كيف تتكرر حوادث نقل العاملات رغم وجود القانون عدد 51 لسنة 2019 والأمر الحكومي عدد 724 لسنة 2020 المنظمين لهذا النشاط؟ وهل تتم مراقبة العربات قبل انطلاقها؟ ومن يتولى التثبت من أهلية السائقين والتزامهم بشروط السلامة؟ وما الإجراءات المتخذة في حق المخالفين؟

ومن جهة أخرى تكشف المؤشرات المرورية الوطنية المتداولة إلى غاية 26 أكتوبر 2026 عن تسجيل 4053 حادث مرور مقابل 4507 خلال الفترة نفسها من سنة 2025 مع ارتفاع عدد القتلى من 999 إلى 1133 قتيلا. وبناء على هذه الأرقام فإن انخفاض عدد الحوادث لم يمنع ارتفاع الوفيات وهو ما يستوجب مراجعة فاعلية إجراءات الوقاية والرقابة. وفي الإطار ذاته أفاد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية برصد 18 حادث نقل فلاحي خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 2024 إلى أكتوبر 2026 أسفرت عن 10 وفيات وعشرات الإصابات. وتبعا لذلك تبرز الحاجة إلى توحيد الإحصائيات الرسمية والحقوقية وتحديد أسباب الحوادث ومناطق تركزها والفئات الأكثر تضررا.

أما على المستوى الاجتماعي فإن المرسوم عدد 4 لسنة 2024 المتعلق بنظام الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات أقر آليات للحماية والانتفاع بالنقل الفلاحي وفق الشروط القانونية المنظمة لذلك. كما خصص قانون المالية لسنة 2025 موارد لصندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات من بينها اعتماد من ميزانية الدولة في حدود خمسة ملايين دينار. غير أن إقرار هذه الآليات يقتضي تقييم نتائجها الفعلية. وفي هذا الصدد يحق للرأي العام أن يتساءل: كم عاملة انتفعت فعليا بالتغطية الاجتماعية؟ وما حجم الموارد التي تمت تعبئتها وصرفها؟ وهل استكملت النصوص التطبيقية والإجراءات اللازمة؟ وما مدى تقدم إسناد البطاقات الخاصة بالعاملات وتنظيم الانتفاع بالنقل؟ وهل تتوفر معطيات رسمية دقيقة بشأن تنفيذ برامج الصندوق في ولاية جندوبة؟

وبالنظر إلى هشاشة التشغيل الفلاحي وموسمية الدخل وصعوبات التنقل فإن مسؤولية الحماية تتجاوز مراقبة السائقين لتشمل تنظيم العلاقة الشغلية وضمان التصريح بالعاملات لدى الضمان الاجتماعي حيث ينطبق القانون ومتابعة حقوق المصابات في العلاج والتغطية والتعويض. فضلا عن ذلك تبرز أهمية التنسيق بين مصالح النقل والداخلية والفلاحة والشؤون الاجتماعية والسلطات الجهوية لضمان مراقبة مستمرة للعربات وتوفير بدائل نقل آمنة وميسورة الكلفة. فهل توجد آلية جهوية واضحة لتنسيق هذه الجهود؟ وهل تنشر الجهات المعنية حصيلة دورية للمراقبة والمخالفات والحوادث والإجراءات الردعية؟

وبناء عليه فإن الأولوية تقتضي استكمال التحقيق في حادث بلاريجيا ونشر نتائجه الرسمية وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة مع ضمان متابعة الوضع الصحي والاجتماعي للمصابات. كما يتعين على الجهات المختصة تقديم بيانات واضحة بشأن عدد العربات المرخص لها ونتائج الفحص الفني والمخالفات المسجلة ومقدار ما تم صرفه من موارد صندوق الحماية الاجتماعية. فمتى تتحول النصوص القانونية إلى حماية ملموسة؟ ومن يضمن عدم تكرار هذه الحوادث؟ وما الإجراءات العاجلة التي ستتخذها السلطات المعنية لحماية العاملات الفلاحيات في جندوبة وبقية الولايات؟

إن حماية العاملات الفلاحيات مسؤولية قانونية واجتماعية مشتركة تقتضي الوقاية قبل وقوع الحوادث والمحاسبة عند ثبوت المخالفات والإصلاح المستمر لمنظومة النقل. كما أن حق العاملة في العمل بأمان والعودة إلى أسرتها بسلام يجب أن يكون معيارا أساسيا لتقييم نجاعة التشريعات والسياسات العمومية. وعليه فإن حادث بلاريجيا ينبغي أن يمثل مناسبة عملية لمراجعة التنفيذ وتعزيز الرقابة والإجابة عن الأسئلة المطروحة ببيانات وإجراءات ملموسة تحفظ الأرواح وتصون الكرامة وتمنع تكرار المآسي.