اختر لغتك

العنف الرقمي… سلاح جديد يهدد كرامة النساء بين تونس وفلسطين

العنف الرقمي… سلاح جديد يهدد كرامة النساء بين تونس وفلسطين

في إطار حملة16 يوما لمناهضة العنف ضدّ النساء والفتيات انعقدت ندوة وطنية حملت شعارا يلخص جوهر المعركة الإنسانية" العنف لا يظهر القوة بل يقتل الإنسانية " في دعوة واضحة إلى الدفاع عن كرامة المرأة ورفض كل أشكال الانتهاك، وقد جاء هذا اللقاء ثمرة تعاون بين جمعية نساء تونس الحديثة وجمعية هن ودار الثقافة السليمانية وبلدية تونس ودار الشباب مقرين العليا ليشكل فضاء.للنقاش الجاد حول واقع العنف في بعديه الوطني والإقليمي خصوصا أمام ما تعيشه النساء في تونس وفلسطين خاصة من معاناة يومية تقضم الكرامة وتفتت الأمن الإنساني.

إذ قدمت الأسيرة المحررة والناشطة الحقوقية ميسر عطياني شهادة حية ظل صداها ثقيلا في القاعة ناقلت تفاصيل ما تتعرض له الفلسطينيات من انتهاكات جسيمة تتراوح بين الاعتقال وسلب الحرية والملاحقة وصولا إلى العنف الرقمي الموجه لتكميم الأصوات وإخماد الذاكرة، وقد كانت كلماتها بمثابة توثيق حيّ لمعاناة تجاوزت حدود الاحتلال المادي إلى عنف نفسي وتكنولوجي يهدف إلى السيطرة على الوعي وتدمير القدرة على المقاومة، وأظهرت شهادتها التي تستند إلى معايشة شخصية أن العنف الرقمي أصبح سلاحا جديدا يستهدف النساء في سياقات النزاع عبر التشهير والمراقبة والابتزاز وهو ما يجعل الحاجة إلى الحماية القانونية أكثر إلحاحا.

من جانبها تناولت الدكتورة آمنة معمري الأخصائية النفسية الآثار العميقة للعنف الرقمي على الصحة النفسية للنساء والفتيات مؤكدة أنّ التداعيات لا تقل خطورة عن العنف المادي، فالابتزاز والصور المسربة وحملات التشويه تؤدي إلى اضطرابات القلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية وقد تصل في بعض الحالات إلى إيذاء النفس خصوصا في ظل غياب بيئة أسرية أو مدرسية قادرة على الاحتواء، وأشارت إلى أرقام رسمية تفيد بأن أكثر من 40% من المراهقات في تونس تعرضن لشكل من أشكال العنف الإلكتروني خلال السنوات الثلاث الأخيرة وفق تقارير الهياكل الوطنية المختصة ما يستدعي مقاربة شاملة تدمج الجانب النفسي في منظومة الحماية.

أما الأستاذة سامية الزوالي الخبيرة في النوع الاجتماعي وحقوق الإنسان فقد قدّمت قراءة تحليلية لمفهوم العنف الرقمي باعتباره امتدادا للعنف القائم على النوع الاجتماعي موضحة أن التكنولوجيا ليست مسؤولة في ذاتها بل تستعمل أداة لإعادة إنتاج السيطرة والتمييز، وأكدت أن حماية النساء وصغار السن من هذا النمط من العنف تتطلب ثلاث مستويات من التدخل منها تربية رقمية ترفع الوعي، تشريعات رادعة تحسم الإفلات من العقاب ومنصات رقمية شفافة تعزز أدوات الإبلاغ والحذف السريع للمحتوى الضار، وشددت على أن بناء ثقافة وقائية داخل الأسرة هو أساس الحماية فالمرافقة والمراقبة الإيجابية تظل خط الدفاع الأول ضد هذا الخطر المتنامي.

وفي البعد القانوني، قدم المحامي حازم القصوري عرضا معمّقا حول العنف الرقمي في المنظومة التشريعية التونسية مستندا إلى أحكام مرسوم عدد 58 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة الذي اعترف لأول مرة بالعنف الرقمي بوصفه شكلا قائما بذاته من الانتهاكات وأوضح القصوري أن المرسوم يجرم كل فعل يهدف إلى المس من الكرامة أو ابتزاز المرأة أو انتهاك حياتها الخاصة من خلال الوسائط الإلكترونية ويشدد العقوبات عندما يكون الضحية قاصراً أو في حالة هشاشة، كما أشار إلى ارتفاع البلاغات الرسمية المتعلقة بالعنف الرقمي بنسبة قاربت 30% خلال سنة 2024 بحسب بيانات وزارة المرأة وهو ما يؤكد التحول الخطير الذي يشهده الفضاء الافتراضي وتزايد الحاجة إلى تطوير وسائل التتبّع الرقمي وتمكين الضحايا من منظومة قانونية سريعة وفعالة للإنصاف.

هذا وتقاطعت المداخلات حول فكرة مركزية مفادها أن العنف ليس حدثا معزولا بل بنية تستمد قوتها من الصمت والخوف واللامبالاة، فإذا كان الواقع الاجتماعي يكرس فجوات في الوعي والحماية فإن مسؤولية المؤسسات والمجتمع تبقى في بناء سياسات تستند إلى المعرفة والإحصائيات لا إلى الانطباعات، وقد خلصت النقاشات إلى ضرورة تعزيز الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني لإرساء منظومة رقمية آمنة قائمة على الوقاية والتثقيف والتجريم الصارم والتكفل النفسي والحلول التقنية التي تمنع انتشار المحتوى الضارّ وتحاصر الاعتداء منذ لحظة وقوعه.

لينتهي اللقاء على قناعة راسخة بأن حماية النساء من العنف في تونس وفلسطين ليست مجرد شعار ترفعه مناسبة دولية بل التزام أخلاقي وواجب قانوني يتطلب إرادة جماعية وفهما عميقا لطبيعة التحولات الرقمية، فالمعركة اليوم لم تعد فقط في الشارع أو داخل البيوت بل أصبحت في الفضاء الافتراضي حيث تختبر المجتمعات قدرتها على صون الكرامة الإنسانية في عالم سريع التغير ومتعدد الأخطار ومفتوح على كل احتمالات الانتهاك.

آخر الأخبار

العنف الرقمي… سلاح جديد يهدد كرامة النساء بين تونس وفلسطين

العنف الرقمي… سلاح جديد يهدد كرامة النساء بين تونس وفلسطين

أزمة تتفجّر في قلب القطاع المالي: الجامعة العامة للبنوك تُلوّح بإضراب عام ثانٍ وتتهم المجلس البنكي بـ"خنق المفاوضات"

أزمة تتفجّر في قلب القطاع المالي: الجامعة العامة للبنوك تُلوّح بإضراب عام ثانٍ وتتهم المجلس البنكي بـ"خنق المفاوضات"

الملك لير بنسخة إيرانية: قراءة جديدة لصراع الحقيقة والزيف:

الملك لير بنسخة إيرانية: قراءة جديدة لصراع الحقيقة والزيف

تونس تخطو بثبات نحو الاقتصاد الدائري: مؤتمر وطني يطرح حلولاً مبتكرة لتثمين نفايات البناء والهدم: تحوّل استراتيجي في إدارة موارد البلاد

تونس تخطو بثبات نحو الاقتصاد الدائري: مؤتمر وطني يطرح حلولاً مبتكرة لتثمين نفايات البناء والهدم: تحوّل استراتيجي في إدارة موارد البلاد

السفارة الرومانية بتونس تحتفي بعيدها الوطني في أمسية موسيقية راقية بقمرت: أمسية دبلوماسية تجمع بين الفنّ والهوية الثقافية

السفارة الرومانية بتونس تحتفي بعيدها الوطني في أمسية موسيقية راقية بقمرت: أمسية دبلوماسية تجمع بين الفنّ والهوية الثقافية

Please publish modules in offcanvas position.