طبرقة.. حكاية المرجان والجنويين والقلعة التي تختزن أسرار قرنين من التاريخ!

طبرقة.. حكاية المرجان والجنويين والقلعة التي تختزن أسرار قرنين من التاريخ!

ليست طبرقة مجرّد مدينة تونسية ساحلية تشتهر بغاباتها الخضراء وصخورها البحرية ومرجانها الأحمر ومهرجاناتها الموسيقية؛ إنها مدينة تختزن صفحة استثنائية من تاريخ تونس والبحر الأبيض المتوسط، حين تحوّلت المنطقة المحاذية لساحلها إلى مركز تجاري محصّن، تنافست حوله القوى الأوروبية، وتقاطعت فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية والعسكرية.

وراء الصورة السياحية الجميلة لطبرقة، تختبئ حكاية تجار جنويين استقروا في المنطقة، واشتغلوا بصيد المرجان وتجارته، وبنوا علاقات مع محيطهم، قبل أن تنتهي مرحلة وجودهم المنظّم في سنة 1741 بأحداث عسكرية تركت أثرها في ذاكرة المدينة وفي تاريخ العلاقات بين تونس وأوروبا.

إنها حكاية مدينة تونسية لم تكن يومًا مجرّد نقطة على الخريطة، بل كانت جزءًا من شبكة واسعة من التجارة والصراع والهجرة التي صنعت تاريخ المتوسط.

من ميناء قديم إلى مركز تجاري استراتيجي

لم تبدأ حكاية طبرقة مع الجنويين؛ فقد عرفت المنطقة، بفضل موقعها على الساحل الشمالي الغربي لتونس، حضورًا بشريًا ونشاطًا بحريًا وتجاريًا في مراحل تاريخية سابقة. وقد جعلها موقعها، القريب من الحدود الجزائرية والمطلّ على طرق الملاحة المتوسطية، نقطة ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية.

لكن العنصر الذي منح طبرقة شهرة خاصة في التاريخ الأوروبي كان المرجان الأحمر، الذي مثّل سلعة ثمينة ومصدرًا مهمًا للثروة. فقد ارتبط صيده بصناعات الحلي والزينة، ودخل ضمن شبكات تجارية امتدت إلى موانئ أوروبية عديدة.

ومع تزايد أهمية هذه التجارة، لم يعد الوجود الأجنبي في المنطقة مقتصرًا على مرور السفن أو إقامة التجار لفترات قصيرة، بل تطوّر إلى مراكز منظمة تجمع بين النشاط التجاري والتحصين العسكري، بهدف حماية الموارد والمصالح من المنافسين والهجمات البحرية.

وهكذا أصبحت طبرقة جزءًا من صراع أوسع على الثروات البحرية والنفوذ في غرب البحر الأبيض المتوسط.

1544.. حين دخل الجنويون إلى قلب الحكاية

في القرن السادس عشر، دخلت طبرقة مرحلة مفصلية من تاريخها. فقد ارتبط استغلال المرجان فيها بتجار من جنوة، أبرزهم أفراد من عائلتي غريمالدي ولوميليني، في إطار شبكة مصالح تجارية وسياسية وثيقة الصلة بالتاج الإسباني.

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن امتياز استغلال المرجان أُسند إلى عائلة لوميليني سنة 1543، فيما تواصل نشاطها في المنطقة من نحو 1544 إلى سنة 1741. ومع مرور العقود، أصبحت العائلة الاسم الأكثر ارتباطًا بالمركز الجنوي في طبرقة، حتى تحوّل وجودها إلى واحدة من أطول التجارب التجارية الأوروبية استقرارًا على الساحل المغاربي في تلك الحقبة.

ولم يكن هذا الوجود مجرد نشاط للصيد والتجارة؛ فقد ارتبط بإدارة محلية وتنظيم للعمل والدفاع، وبإقامة عائلات وعمال داخل المركز. وهكذا نشأ مجتمع له خصوصيته، جمع بين أصول ليغورية قادمة من إيطاليا وتأثيرات من البيئة التونسية المحيطة.

القلعة الجنوية.. شاهد على زمن الصراع والنفوذ

من أبرز المعالم المرتبطة بهذه المرحلة القلعة الجنوية القائمة على الجزيرة الصخرية الصغيرة المقابلة لساحل طبرقة، والتي ينبغي عدم الخلط بينها وبين مدينة طبرقة نفسها.

كانت هذه الجزيرة موقعًا استراتيجيًا لحماية المركز التجاري ومراقبة الحركة البحرية، فيما مثّلت التحصينات جزءًا من منظومة الدفاع عن المصالح الاقتصادية في منطقة لم تكن بعيدة عن التنافس بين القوى المتوسطية.

وقد ارتبطت طبرقة في تلك المرحلة بالتاج الإسباني من الناحية السياسية، بينما تولّت العائلة الجنوية إدارة النشاط التجاري والاستفادة من امتيازاته. لذلك، فإن وصف هذه الحقبة بأنها «وجود جنوي» وحده لا يقدّم الصورة كاملة؛ إذ كانت العلاقة بين التجارة والسيادة والسلطة المحلية أكثر تعقيدًا من ذلك.

وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن السلطات التونسية لم تكن غائبة عن هذه المعادلة، بل احتفظت بأدوات للتأثير في وجود الأجانب ومراقبة أنشطتهم، وكانت العلاقة معهم تتأرجح بين المصالح الاقتصادية والتوازنات السياسية.

المرجان والقمح.. ثروتان صنعتا أهمية طبرقة

كان المرجان الأحمر المورد الذي منح طبرقة شهرتها التجارية، لكن قصة الازدهار لا تتوقف عنده. فمع تراجع مردودية صيد المرجان تدريجيًا، اتجه التجار الجنويون إلى تنويع أنشطتهم، وأصبحت تجارة الحبوب عنصرًا مهمًا في اقتصاد المركز.

وتكشف دراسة أكاديمية منشورة سنة 2021 حول تجارة الحبوب والشبكات التجارية الجنوية أن طبرقة أدّت دورًا في تزويد الأسواق الأوروبية بالقمح، مستفيدة من موقعها وعلاقات التجار بالأسواق المحلية. وكانت جنوة إحدى الوجهات الأساسية لهذه التجارة.

وهكذا ارتبطت المدينة ومركزها التجاري بشبكة اقتصادية متوسطية لم تعتمد على البحر وحده، بل امتدت إلى المناطق الزراعية والأسواق الداخلية. وقد ساهم هذا التنوع في استمرار النشاط التجاري حتى عندما لم يعد المرجان قادرًا على توفير العائدات نفسها التي حققها في مراحل سابقة.

الطبرقيون.. مجتمع تشكّل بين جنوة وتونس

من أكثر جوانب تاريخ طبرقة إثارة أن الوجود الجنوي لم يقتصر على التجار والبحارة الذين يأتون ثم يغادرون؛ فقد سمحت ظروف العمل والاستقرار بقدوم عائلات، ونشأ تدريجيًا مجتمع محلي احتفظ بروابطه مع أصوله الليغورية، لكنه تأثر في الوقت نفسه بالبيئة التونسية.

وتشير الدراسات إلى أن سكان هذا المركز تبنّوا جوانب من اللغة وأنماط العيش المحلية، وأقاموا علاقات مع المجتمع المحيط، من دون أن يعني ذلك اختفاء هويتهم الأصلية. لقد كانت طبرقة فضاءً للتفاعل بين جماعات مختلفة، في زمن كانت فيه الموانئ المتوسطية نقاط التقاء للتجارة والثقافات والهجرات.

وبعد سقوط المركز سنة 1741، انتقل عدد من سكانه إلى تونس، بينما لجأ آخرون إلى مراكز تجارية مجاورة. ثم ارتبطت ذاكرة الطبرقيين لاحقًا بتجمعات في سردينيا، ولا سيما كارلوفورتي وكالاسيتا، حيث حافظت جماعات ذات أصول طبرقية على جانب من تراثها وهويتها.

وتمنح هذه الروابط التاريخية طبرقة بُعدًا يتجاوز حدودها الجغرافية الحالية، إذ تكشف عن مجتمع نشأ على الساحل التونسي، ثم امتدت آثاره إلى الضفة الأوروبية من البحر الأبيض المتوسط.

جوان 1741.. سقوط المركز الجنوي ونهاية مرحلة تاريخية

بلغت الحكاية منعطفها الحاسم في جوان 1741، عندما استولت قوات تابعة لإيالة تونس، بقيادة يونس باي، على الجزيرة الصخرية التي كان يوجد عليها المركز الجنوي.

لم يكن الحدث مجرد تغيير في إدارة موقع تجاري؛ فقد جاء بعد سنوات من التراجع الاقتصادي، وفي سياق سياسي إقليمي معقّد. وتوضح الدراسة التاريخية التي أنجزها الباحث فيليب غورديان أن سقوط المركز ارتبط كذلك بمسألة المستحقات المالية وبالظروف التي أضعفت قدرته على الدفاع عن نفسه.

وتورد المصادر التاريخية أن عددًا كبيرًا من سكان المركز وقعوا في الأسر ونُقلوا إلى تونس، فيما تمكن آخرون من الفرار إلى المركز الفرنسي في القالة. وتذكر إحدى الروايات التاريخية رقمًا يقارب 800 شخص وقعوا في الأسر، مقابل 128 تمكنوا من الوصول إلى القالة، لكن هذه الأرقام ينبغي نسبتها إلى الروايات التي أوردتها، لا التعامل معها باعتبارها إحصاءً نهائيًا متفقًا عليه.

وبسقوط المركز، انتهى قرابة قرنين من الإدارة التجارية الجنوية، وبدأ فصل جديد من تاريخ المنطقة. أما سكانه، فلم تنتهِ حكايتهم جميعًا عند تلك اللحظة؛ إذ تواصلت آثار الهجرة والاستقرار في تونس وخارجها خلال العقود اللاحقة.

هل اختفت طبرقة الجنوية من الذاكرة؟

لم تختفِ هذه المرحلة من ذاكرة طبرقة، وإن لم تكن حاضرة دائمًا في الصورة السياحية الشائعة عنها. فالقلعة الجنوية، والجزيرة الصخرية المقابلة للساحل، والدراسات التاريخية التي تناولت المجتمع الذي نشأ هناك، كلها شواهد على ماضٍ يكشف جانبًا من العلاقات المعقّدة بين تونس وأوروبا.

لكن استحضار هذا الإرث لا ينبغي أن يقتصر على تقديمه بوصفه حكاية غريبة أو فصلًا أوروبيًا منفصلًا عن تاريخ البلاد. فالتجربة الجنوية نفسها لم تكن ممكنة بمعزل عن السلطات المحلية والأسواق التونسية والعمال والموردين وشبكات التجارة في المنطقة.

ومن هنا تأتي أهمية إعادة قراءة تاريخ طبرقة ضمن سياقه الكامل: مدينة تونسية ذات تاريخ طويل، ارتبطت في إحدى مراحلها بمركز تجاري أوروبي على جزيرة صخرية قريبة من ساحلها، وشهدت تفاعلات اقتصادية وثقافية وسياسية تركت آثارها على ضفتي المتوسط.

طبرقة.. أكثر من مرجان وغابات وبحر

تُعرف طبرقة اليوم بطبيعتها الخلابة، وبغاباتها وشواطئها وصخورها المميزة، كما ارتبط اسمها بالمرجان ومهرجانات الموسيقى، وخاصة موسيقى الجاز. غير أن هذه الصورة المعاصرة لا تختزل تاريخ المدينة، الذي يمتد إلى مراحل أقدم من الوجود الجنوي بقرون.

إن قصة طبرقة تذكّرنا بأن المدن الساحلية لا تُصنع ملامحها بالطبيعة وحدها، بل أيضًا بما شهدته من تجارة وهجرة وتنافس على الموارد وتفاعل بين الشعوب. ومن المرجان الذي جذب التجار إلى الجزيرة الصخرية، وصولًا إلى القلعة التي لا تزال شاهدة على تلك المرحلة، تظل طبرقة جزءًا من تاريخ تونسي متوسطي يستحق المزيد من البحث والتوثيق.

طبرقة ليست جزيرة؛ إنها مدينة تونسية تحمل ذاكرة بحرية عريقة، فيما تروي الجزيرة الصخرية المقابلة لساحلها حكاية مركز جنوي عاش قرابة قرنين، ثم سقط سنة 1741، تاركًا وراءه آثارًا وأسئلة وذاكرة تجاوزت حدود تونس إلى الضفة الأخرى من المتوسط.

مراجع تاريخية أساسية

- فيليب غورديان، Tabarka : histoire et archéologie d’un préside espagnol et d’un comptoir génois en terre africaine (XVe–XVIIIe siècle)، المدرسة الفرنسية بروما والمعهد الوطني للتراث بتونس، 2008.

- أنطونيو يوديشي ولويزا بيتشينو، دراسة حول تجارة الحبوب والأقلية التجارية الجنوية في صقلية وطبرقة خلال القرنين السادس عشر والثامن عشر، منشورة سنة 2021.

تساعد هذه المراجع على فهم تاريخ المركز الجنوي وعلاقته بالتاج الإسباني والسلطات التونسية، كما تفسّر دور المرجان والقمح في اقتصاده، والتحولات التي انتهت بسقوطه سنة 1741.