ماذا لو أخبرناك أن مدينة تونسية ما زالت تحتفظ، بين أزقتها ومنازلها ومساجدها، بذاكرة أناس اقتُلعوا من أرضهم قبل أكثر من أربعة قرون؟ وماذا لو كانت ساعة مسجدها الأشهر تدور بعكس الاتجاه المعتاد، وكأنها تحاول إعادة الزمن إلى الوراء، نحو وطن ظلّ حيًّا في الذاكرة رغم ضياعه؟
إنها تستور الأندلسية، المدينة الواقعة بولاية باجة شمال غربي تونس، التي لا تختزل حكايتها في عمارة جميلة أو تراث موسيقي عريق، بل تحمل بين حجارتها قصة تهجير قاسٍ، وهجرة جماعية، ومحاولة استثنائية لبناء حياة جديدة بعيدًا عن الوطن الأصلي.
إنها حكاية الأندلس التي خسرت أرضها في إسبانيا، لكنها وجدت في تونس فضاءً تستعيد فيه جزءًا من روحها وهويتها.
1609.. عام الرحيل الكبير
تبدأ الحكاية من إسبانيا، حيث عاش الموريسكيون، وهم المسلمون الذين أُجبر كثير منهم على اعتناق المسيحية بعد سقوط الحكم الإسلامي، قبل أن يتعرضوا لاحقًا لسياسات التضييق والاضطهاد والطرد.
وفي سنة 1609، أصدر الملك الإسباني فيليب الثالث قرارًا بطرد الموريسكيين، لتبدأ واحدة من أكبر موجات التهجير القسري في تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية. واستمرت عمليات الطرد خلال السنوات التالية، فيما اتجهت مجموعات كبيرة من المهجّرين نحو شمال إفريقيا، ومنها تونس.
وتشير تقديرات تاريخية إلى أن نحو 80 ألف موريسكي استقروا في تونس خلال تلك المرحلة، حاملين معهم خبرات زراعية وحرفية وتجارية، فضلًا عن عاداتهم وتقاليدهم وفنونهم المعمارية والموسيقية.
لم يكن هؤلاء مجرد مهاجرين يبحثون عن مأوى، بل كانوا جماعات تحمل ذاكرة مدن وقرى أندلسية، وخبرات تراكمت عبر أجيال، ورغبة في إعادة بناء حياتها بعيدًا عن الاضطهاد.
1610.. حين وجدت الأندلس موطئ قدم في تونس
في مطلع القرن السابع عشر، استقبلت تونس أعدادًا من الموريسكيين الذين توزّعوا على مناطق مختلفة من البلاد، وأسهموا في نشأة تجمعات عمرانية جديدة وتطوير أخرى قائمة.
وكانت تستور من أبرز المدن التي ارتبط اسمها بهذه الهجرة. فقد استقر بها أندلسيون ابتداءً من سنة 1609 تقريبًا، وبدأت تتشكل تدريجيًا كمدينة ذات ملامح عمرانية وثقافية متميزة.
وتورد بعض الروايات أن اختيار الموقع ارتبط بأراضٍ قريبة من وادي مجردة، أتاح محيطها الطبيعي فرصًا للزراعة والاستقرار. أما أصل تسمية «تستور»، فلا يوجد بشأنه تفسير تاريخي محسوم؛ إذ تتعدد الفرضيات حول جذوره، وهو ما يجعل ربط الاسم مباشرة بقرية إسبانية تحمل اسم «Mestur» أمرًا يحتاج إلى دليل موثق.
لكن المؤكد أن المدينة تحولت، مع مرور الوقت، إلى أحد أبرز مراكز الحضور الموريسكي والأندلسي في تونس، حيث امتزجت الخبرات الوافدة بالبيئة المحلية، لتنشأ هوية لا تشبه سواها تمامًا.
جامع تستور الكبير.. ساعة تحكي وجع المنفى
إذا كان لتستور معلم قادر على اختصار حكايتها في صورة واحدة، فهو جامع تستور الكبير، الذي يعود بناؤه إلى القرن السابع عشر، ويُؤرَّخ عادة بنحو سنة 1630 أو 1631.
ويرتبط الجامع باسم محمد طغارينو، وهو مهاجر من أصول أندلسية استقر في تستور في بداية القرن السابع عشر، ويُنسب إليه الإشراف على إنجاز هذا المعلم.
ويجمع الجامع بين عناصر من العمارة الإسلامية المحلية وملامح أندلسية وإيبيرية، تتجلى في تفاصيل البناء والأقواس والزخارف وتنظيم الفضاءات. وهو شاهد على قدرة المهاجرين على نقل تقاليدهم المعمارية وتكييفها مع محيطهم الجديد.
لكن أكثر ما يثير الدهشة هو الساعة الموجودة على مئذنته، التي تتحرك عقاربها بعكس الاتجاه المعتاد، مع ترقيم غير مألوف.
لماذا تدور الساعة إلى الخلف؟
تقول إحدى الروايات الشعبية إن الساعة تجسّد حنين الأندلسيين إلى وطنهم المفقود، وكأنهم يتمنون العودة إلى زمن سبق الطرد والمنفى. ويرى بعض المهتمين بالتراث أن هذه الحركة تحمل رمزية الذاكرة والرغبة في استرجاع الماضي.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن هذا هو التفسير التاريخي الوحيد أو المؤكد؛ فدلالة الساعة ظلت موضوع تأويلات مختلفة. لكن المؤكد أنها أصبحت رمزًا استثنائيًا لتستور، وعلامة تختزل علاقة المدينة بزمنها الأندلسي المفقود.
من الأرض إلى المائدة.. الأندلسيون يغيّرون وجه الحياة
لم يتوقف أثر الموريسكيين عند بناء المنازل والمساجد، بل امتد إلى النشاط الزراعي والحرفي والتجاري.
فقد أسهم القادمون من الأندلس في تطوير تقنيات الري واستغلال الأراضي الزراعية، ونقلوا خبرات في غراسة الأشجار المثمرة، ولا سيما القوارص، إلى جانب مهارات في الصناعات التقليدية والتجارة.
كما ارتبط الحضور الأندلسي في تونس بصناعة الشاشية، وبمجموعة من الحرف والعادات التي استقرت في الحياة اليومية وأصبحت جزءًا من التراث المحلي.
أما الأرقام المتداولة بشأن بناء ألف منزل خلال عشرين سنة، وامتلاك المدينة 12 معصرة زيت وخمس معاصر للسكر، فلا ينبغي تقديمها باعتبارها حقائق ثابتة من دون إحالة إلى سجلات أو دراسات تاريخية موثوقة. غير أن الدور الزراعي والحرفي والتجاري للموريسكيين في تونس موثق في الدراسات المتعلقة باستقرارهم وإسهاماتهم الاقتصادية.
لغة وذاكرة.. حين تختلط الكلمات كما اختلطت الثقافات
من أعمق آثار الهجرة الأندلسية ما تركته في اللغة والعادات والتقاليد. فقد حافظت عائلات موريسكية على عناصر من ذاكرتها الإيبيرية، وتفاعلت هذه العناصر مع العربية واللهجات المحلية، في عملية امتزاج ثقافي امتدت عبر أجيال.
وتشير الدراسات التاريخية إلى استمرار استخدام الإسبانية لدى بعض الجماعات الموريسكية في تونس خلال فترات لاحقة من استقرارها، قبل أن تتراجع تدريجيًا مع الاندماج اللغوي والاجتماعي.
أما الكلمات الشعبية المتداولة والمنسوبة إلى الأصول الإسبانية، مثل «بابور» و«كبّوط»، فينبغي التمييز فيها بين الاستعمال المحلي وأصل الكلمة اللغوي؛ فإثبات الاشتقاق يتطلب الرجوع إلى المعاجم والدراسات المتخصصة، ولا يكفي التشابه الصوتي وحده.
وهكذا لم يكن الاندماج محوًا كاملًا للذاكرة الأندلسية، بل عملية طويلة حافظت خلالها العائلات على بعض موروثها، فيما أصبح جزء آخر منه مكوّنًا من الثقافة التونسية الأوسع.
المالوف.. حين واصلت الأندلس الغناء في تونس
تستور ليست مدينة حجر فحسب؛ إنها أيضًا مدينة نغم. فقد ارتبط اسمها بموسيقى المالوف، أحد أبرز ألوان الموسيقى التونسية ذات الجذور الأندلسية، الذي حافظ على تقاليد الأداء والإنشاد والآلات الموسيقية المتوارثة.
وفي هذا التراث تتقاطع الذاكرة الأندلسية مع الذائقة التونسية، لتنتج لونًا موسيقيًا خاصًا ظل حاضرًا في المناسبات الثقافية والفنية.
ومن خلال المهرجانات والأنشطة الموسيقية، تواصل تستور الاحتفاء بهذا الموروث، وتؤكد أن التراث ليس مجرد بقايا من الماضي، بل ممارسة حيّة تنتقل بين الأجيال وتتجدد مع الزمن.
تستور اليوم.. أكثر من وجهة سياحية
تستحق تستور أن تُقرأ باعتبارها فضاءً للذاكرة المتوسطية، حيث تتجاور التأثيرات الأندلسية والإسلامية والمحلية، وتروي العمارة والموسيقى والعادات قصة تفاعل ثقافي صنعته ظروف المنفى والاستقرار.
فزيارة المدينة ليست مجرد جولة بين الأزقة أو التقاط صورة أمام الساعة العجيبة؛ إنها فرصة لفهم كيف استطاعت جماعات اقتُلعت من أرضها أن تعيد بناء حياتها، وأن تترك أثرًا ظل حاضرًا في هوية المكان بعد مرور قرون.
ومن هنا تبرز أهمية صون المدينة العتيقة ومعالمها، وتوثيق روايات العائلات وتقاليدها، ودعم الصناعات التقليدية والموسيقى الأندلسية، وتقديم تاريخ تستور للأجيال الجديدة في صيغة تجمع بين البحث العلمي والسرد الثقافي الجذاب.
تستور لم تُعِد الأندلس إلى إسبانيا، لكنها حفظت في تونس شيئًا من روحها. وبين مئذنة تدور فوقها ساعة عكس الزمن، وأزقة تحفظ ذاكرة المنفى، وموسيقى ما زالت تتردد في المكان، تواصل المدينة رواية حكاية شعب خسر وطنًا، لكنه لم يخسر قدرته على صنع وطن جديد.


