متابعة: الحبيب بنصالح – إعداد: نجيب الخويلدي
في قلب مدينة المرسى، حيث تتجاور الذاكرة المعمارية مع التحولات السياسية، تخفي القصور الدبلوماسية حكايات مثيرة تتقاطع فيها الثروة والنفوذ، وتكشف فصولاً من تاريخ تونس المليء بالتجاذبات بين الداخل والخارج.
قصر بن عياد… من مجد أرستقراطي إلى رمز لفضيحة مالية
لم يكن مقر إقامة السفير البريطاني بالمرسى مجرد بناء فاخر، بل كان في الأصل قصراً شيده التاجر الثري رجب بن عياد، المنحدر من عائلة مخزنية بجربة، ليكون ملاذاً صيفياً يعكس الرفاه والجاه.
لكن القصة أخذت منحى دراماتيكياً بعد انتقال الملكية إلى محمود بن عياد، قابض المالية العمومية، الذي تورّط في واحدة من أكبر قضايا الاختلاس في تاريخ البلاد.
في سنة 1852، تفطن أحمد باي إلى حجم التجاوزات، غير أن نفوذ القنصل الفرنسي حال دون إيقافه، ليغادر بن عياد تونس محملاً بثروة تعادل أربع مرات ميزانية الدولة. ورغم تحذيرات والده، بقي الباي عاجزاً أمام الضغوط الأجنبية.
استقر الرجل في فرنسا، حيث اقتنى عقارات ويُقال إن اسمه خُلّد في أحد شوارع باريس، قبل أن ينتهي به المطاف في إسطنبول حيث توفي، بينما فشلت محاولات تونس لاحقاً، في عهد خير الدين، لاسترجاع الأموال المنهوبة.
من المصادرة إلى الإهداء… لعبة التوازنات
لاحقاً، صادَر امحمد باي أملاك بن عياد، بما فيها القصر، ليمنحه سنة 1856 للقنصل البريطاني ريتشارد وود. خطوة بدت في ظاهرها تعويضاً عن قصر العبدلية، لكنها في العمق كانت محاولة لموازنة النفوذ الفرنسي وتفادي سيناريو الاحتلال الذي شهدته الجزائر.
استقر القنصل البريطاني بالقصر حتى وفاته، ودُفن بكنيسة سان جورج البروتستانية بالعاصمة، لتبقى هذه الإقامة شاهدة على مرحلة دقيقة من تاريخ الدبلوماسية في تونس.
“الدار الكاملة”… حين تُهدى القصور لكسب الود
على الضفة الأخرى من المرسى، يبرز قصر “الدار الكاملة”، مقر إقامة السفير الفرنسي اليوم، والذي كان في الأصل ملكاً لعائلة المنستيري، المرتبطة بحمودة باي.
وقد آلت ملكيته إلى الدولة بعد أن وهبته العائلة لحسين باي، قبل أن يمنحه امحمد باي سنة 1857 لفرنسا، في خطوة واضحة لاسترضائها بعد احتلالها الجزائر سنة 1830.
القنصل الفرنسي ليون روش حوّل القصر إلى إقامة صيفية، وأطلق عليه اسم “دار كاميلا” لجماله الأخّاذ. ومع فرض الحماية سنة 1881، أصبح مقراً للمقيم العام الفرنسي، ثم تحوّل بعد الاستقلال إلى مقر إقامة السفير الفرنسي.
الإيطاليون… تعدد النفوذ قبل الوحدة
في القرن التاسع عشر، لم تكن إيطاليا دولة موحدة، بل مجموعة ممالك، ما انعكس على حضورها في تونس عبر تعدد القنصليات والإقامات، خاصة في المرسى والمدينة العتيقة.
ومن أبرز المحطات، إقامة الزعيم الإيطالي جوزيبي غاريبالدي بتونس سنة 1836، حيث عاش عامين قبل أن ينجح لاحقاً في تحقيق وحدة إيطاليا سنة 1861. ولا تزال العمارة التي احتضنته بنهج الكومسيون شاهدة على تلك المرحلة.
ومع توحيد إيطاليا، تطور حضورها الدبلوماسي، حيث تم بناء مقر قنصليتها بنهج الصادقية سنة 1931، قبل أن يُباع لاحقاً، ويتم نقل السفارة إلى موقع جديد.
قصور تروي تاريخ النفوذ
من قصر بن عياد إلى “الدار الكاملة”، ومن الإقامات الإيطالية إلى البعثات الدبلوماسية الحديثة، تكشف هذه المعالم أن المرسى لم تكن مجرد مدينة ساحلية، بل مسرحاً لصراع النفوذ بين القوى الأجنبية، ومرآة لقرارات سياسية صنعت تاريخ تونس.
قصور صامتة… لكنها تحكي بصوت عالٍ عن زمن كانت فيه السيادة تُدار بين أروقة الدبلوماسية وتحت ظلال المصالح.



