اختر لغتك

«إنه عالم مجنون»… واشنطن في قبضة سيريالية ترامب

«إنه عالم مجنون»… واشنطن في قبضة سيريالية ترامب

«إنه عالم مجنون»… واشنطن في قبضة سيريالية ترامب

خيّم التوتر على واشنطن، وامتد عبر الأطلسي، ثم ألقى بظلاله الثقيلة على الشرق الأوسط. العالم كان ينتظر نارًا من السماء، لا نيرانًا من الألسنة. سؤال واحد سيطر على العواصم: ماذا سيفعل دونالد ترامب؟ ماذا سيقول؟ وأي مفاجأة سيطلقها هذه المرة؟

وفق تقرير لشبكة CNN، بدا ترامب مستمتعًا بهذا الترقّب العالمي، جالسًا خلف مكتب ريزولوت في المكتب البيضاوي، يقذف التهديدات والمناورات والإهانات كما لو كان قائد أوركسترا يعزف لحنًا نشازًا، يُربك الحلفاء ويُربك الخصوم، ويزرع الفوضى على نطاق كوني.

عندما سُئل عن مدى ثقته بالتعهدات الإيرانية في ملف يمس الحرب والسلام، لم يُجب ترامب إجابة مباشرة، بل أطلق إحدى عباراته الغامضة المعتادة:
«سنكتشف ذلك… سأعرف بعد هذا. وأنتم ستعرفون. قيل لنا من جهة موثوقة، وآمل أن يكون ذلك صحيحًا. من يدري؟ من يدري. إنه عالم مجنون».

ربما لم ينطق ترامب في مسيرته السياسية بجملة أكثر دقة من هذه. فـ«العالم المجنون» لم يعد توصيفًا عابرًا، بل بات إطارًا حاكمًا لسياسته الخارجية.

الأكثر غرابة أن الحديث عن مصير مواجهة محتملة مع إيران انحرف فجأة نحو الترويج للحليب كامل الدسم في المدارس، خلال فعالية رسمية في المكتب البيضاوي. سأل ترامب الصحافيين المتعطشين لمعرفة ما إذا كانت ضربة عسكرية وشيكة:

«هل تتذكرون الأيام الخوالي عندما كنا أطفالًا؟».

ثم استرسل في مشهد عبثي وهو يشير إلى زجاجة حليب على مكتبه، متحدثًا عن مشاركتها بين الأطفال، وعن كونها «شبه طازجة» وعمرها «خمسة أو ستة أيام». لا أحد عرف إن كانت رسالة مبطّنة، أم تشتيتًا متعمدًا، أم مجرد جنوح ذهني آخر لرئيس يربك الجميع، بمن فيهم محللوه.

وكما هو الحال غالبًا في عهد ترامب، كان يومًا سرياليًا بامتياز. فالبيت الأبيض استقبل في اليوم نفسه وفدًا من غرينلاند والدنمارك، بعد إصرار ترامب على امتلاك أكبر جزيرة في العالم. جاء الوفد ليؤكد أن الإقليم الدنماركي شبه المستقل «ليس للبيع»، ولا للغزو.

وتزداد المفارقة حين يزعم ترامب أن الدنمارك عاجزة عن الدفاع عن غرينلاند، رغم أنها دولة عضو في حلف الناتو، ما يعني أن أي هجوم على الجزيرة يُعد هجومًا على جميع أعضاء الحلف، وفق مبدأ الدفاع المشترك الذي استفادت منه الولايات المتحدة نفسها بعد هجمات 11 سبتمبر.

أسوأ السيناريوهات كان انفجارًا دبلوماسيًا على غرار توبيخ نائب الرئيس جيه دي فانس للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي العام الماضي. هذا لم يحدث، لكن الوفد خرج ليؤكد استمرار «خلاف جوهري» حول مصير غرينلاند.

لاحقًا، عاد ترامب ليبرر حاجته للجزيرة بذريعة «القبة الذهبية» ومنع روسيا والصين من التمدد، رغم وجود قاعدة أمريكية هناك أصلًا، في اجتماع وصفته CNN بأنه خلا من أي منطق مقنع للطرف الدنماركي.

وكان لافتًا قسوة ترامب في انتقاد القدرات العسكرية لحليف في الناتو أرسل جنوده ليقاتلوا ويموتوا إلى جانب الأمريكيين بعد 2001. وقال ساخرًا:
«أضافوا زلاجة كلاب إضافية الشهر الماضي… زلاجتان لن تفي بالغرض في غرينلاند».

وخلال اليوم نفسه، تحولت أزمة غرينلاند إلى مشهد أكثر غرابة:

الدنمارك أعلنت إرسال قوات إضافية، السويد قررت إرسال جنود، النرويج أوفدت ممثلين عسكريين، ألمانيا أعلنت إرسال 13 جنديًا في «مهمة استطلاعية»، بينما أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن قوات فرنسية في طريقها بالفعل للمشاركة في عملية «التحمّل القطبي».

المشهد ليس حربًا بعد بين أمريكا وأوروبا، لكنه إعلان رمزي بالغ الخطورة: دول في الناتو تُظهر استعدادها للدفاع عن أراضٍ تابعة للحلف، لا من روسيا أو الصين، بل من رئيس الولايات المتحدة نفسه.

فماذا بعد؟

هل يواصل ترامب الضغط لشراء غرينلاند من دون أي خطة لتمويل مئات المليارات المطلوبة؟ أم يذهب إلى فرض الأمر الواقع بالقوة، كما فعل في فنزويلا بإطاحة نيكولاس مادورو؟ خطوة كهذه ستضع قادة البنتاغون، الذين يديرون الناتو، أمام معضلة غير مسبوقة.

ترامب يكتفي بعبارته المفضلة:

«سنرى ما الذي سيحدث مع غرينلاند»، متقمصًا دور المراقب الخارجي، رغم أنه صاحب القرار الوحيد.

وتخلص CNN إلى أن العالم بات يعيش تجربة «الحياة في أميركا» خلال ولايتي ترامب، رئيس يحكم بالنزوة، ويجعل غياب الاستراتيجية استراتيجية بحد ذاته، لإبقاء الجميع في حالة تخمين دائم.

أنصاره يرون في عدم قابليته للتنبؤ ميزة ردعية. منتقدوه يرونها مقامرة خطيرة. فبينما يستطيع ترامب التفاخر ببعض النجاحات، يظل «اليوم التالي» غائبًا عن معظم سياساته: فنزويلا، غرينلاند، إيران، الشرق الأوسط… كلها ملفات بلا خريطة واضحة.

وفي النهاية، يبقى الانطباع السائد، كما وصفته CNN، أن ترامب بهلوان سياسي يحاول إبقاء عدد هائل من الكرات في الهواء في آن واحد، ينجح بالكاد في منع سقوطها، لكن ليس إلى الأبد.

وربما، وسط هذا الضجيج كله، لم يكن ترامب مخطئًا تمامًا في جملة واحدة فقط قالها بعفوية:

إنه… عالم مجنون.

آخر الأخبار

15 تونسياً مختطفين في ليبيا: برلماني يطالب بالتدخل الفوري وحماية كرامة المواطنين

15 تونسياً مختطفين في ليبيا: برلماني يطالب بالتدخل الفوري وحماية كرامة المواطنين

70% من الإسرائيليين يؤيدون ضربة ضد إيران… لكن بشروط

70% من الإسرائيليين يؤيدون ضربة ضد إيران… لكن بشروط

«إنه عالم مجنون»… واشنطن في قبضة سيريالية ترامب

«إنه عالم مجنون»… واشنطن في قبضة سيريالية ترامب

مرسيدس-بنز تطلق أول GLC كهربائية بالكامل بمقصورة نباتية… فخامة بلا جلود في سابقة عالمية

مرسيدس-بنز تطلق أول GLC كهربائية بالكامل بمقصورة نباتية… فخامة بلا جلود في سابقة عالمية

«بوابة السماء الجنوبية»… مشروع صيني يعيد رسم ملامح الهيمنة الجوية–الفضائية

«بوابة السماء الجنوبية»… مشروع صيني يعيد رسم ملامح الهيمنة الجوية–الفضائية

Please publish modules in offcanvas position.